سلوكيات

المحاسـبة(1)

د/عبد الرحيم السوني                

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

 

المحاسبة في اللغة:

المحاسبة في اللغة من الحساب وهو عد  الأشياء، وهو ما  يحاسب عليه فيجازى  بحسبه[1].

في القرآن والحديث:

ترد المحاسبة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف باعتبارين: اعتبار دنيوي، وآخر أخروي:

أ- الأول يرد على نوعين:

   1- ما يحسبه الإنسان من أسباب معلومة للرزق، كقوله تعالى : ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[2]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾[3] ربما يعطيه أكثر مما يستحق، أو يعطيه عطاء لا يمكن للبشر إحصاؤه، أو يعطيه بلا مضايقة.

2- الحساب بمعنى حلول وقت المساءلة على الأمانة، أو المجازاة عليها كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾[4]، وعن أبي حميد الساعدي، قال: «استعمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء، حاسبه قال: هذا ما لكم وهذا هدية، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فهلا جلست في بيت أبيك وأمك، حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا»[5].

   ب- والثانى يرد أيضا على نوعين:

  1- محاسبة اللَّه للعبد فى الآخرة، كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾[6]، ومما ورد فى السنة، ما روي عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بالصعقة الأولى؟»[7].

وعن عبد اللَّه بن عتبة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة»[8].

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حوسب عذب، قالت: أوليس يقول اللَّه تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾[9]، فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك»[10].

وعن أبي مسعود رضي الله عنه، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال اللَّه عز وجل : نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه»[11].

   وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «قال اللَّه عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[12] فأما الذين سبقوا بالخيرات فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلقاهم اللَّه برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور﴾[13]»[14].

   2- محاسبة العبد نفسه قبل محاسبة اللَّه له في الآخرة ، لما روي عن شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللَّه"[15]، ومعنى  قوله  صلى الله عليه وسلم من دان نفسه، أي حاسب نفسه في الدنيا، قبل أن يحاسب يوم القيامة، ويروى عن عمر بن الخطاب، أنه قال: «حاسبوا أنفسكم، قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة، على من حاسب نفسه في الدنيا»[16]، ويروى عن ميمون بن مهران قال: «لا يكون العبد تقيا حتى يحاسب نفسه، كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه»[17].

الهوامش:

 


[1] ـ لسان العرب 1/30 ، وكتاب العين 3/149 .

[2]  ـ سورة: آل عمران، آية: 37.

[3]  ـ سورة: الطلاق، آية: 2.

[4]  ـ سورة: الطلاق، آية: 8.

[5] ـ صحيح البخاري، كتاب الحيل، رقم: 6979.

[6]  ـ سورة: الأنبياء، آية: 1.

[7] ـ صحيح البخاري، كتاب الخصومات، رقم: 2412.

[8] ـ صحيح البخاري، كتاب الشهادات، رقم: 2641.

[9]  ـ سورة: الانشقاق، آية: 8.

[10] ـ صحيح البخاري، كتاب العلم برقم (103) 1/237 .

[11] ـ صحيح مسلم فى كتاب المساقاة برقم (1561) 3/1195 .

[12]  ـ سورة: فاطر، آية: 32.

[13]  ـ سورة: فاطر، آية: 34.

[14] ـ أخرجه أحمد فى المسند برقم (21220).

[15] ـ أخرجه الترمذى، كتاب صفة القيامة، رقم: 2459.

[16] ـ أخرجه الترمذى، كتاب صفة القيامة، رقم: 2460.

[17] ـ أخرجه الترمذى، كتاب صفة القيامة، رقم: 2461.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مفهوم التدين[4]

المقوم الإحساني: مبناه على تمام الجمع بين ظاهر التكاليف وباطنها، مع تحصيل الإخلاص فيه، وتحقيق التعبد على مقتضى التكامل المفيد في ترسيخ تحقق المتدين بالتبعية الاعتقادية والاشتغالية المقومة للحقيقة الدينية.

مفهوم التدين[3]

الدين، كما هو لائح من البيان النبوي، ذو«مقومات معنوية» تؤسس ماهيته، وبها يتشكل قوام التبعية الاعتقادية والاشتغالية لدى المتدين.

مفهوم التدين[2]

التدين هو الحقيقة الدينية وقد تشخصت في أرض السلوك والاكتساب، بعد أن كانت معطى مجردا متعاليا، بحيث يمكن القول إن التدين هو الإمكان التنزيلي لحقائق الدين.