بحث و حوار

أصل عمـل أهـل المـدينـة: رسوخ في الاشتغال وتمكين في الاستدلال11

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

 

وهذه المرتبة أي مرتبة  العمل القليل ضربان:

-أن يكون في العمل القليل وجه موجب للقلة، وبانتفاء الموجِب  ينتفي الموجَب، كقوله عليه الصلاة والسلام للسائل عن وقت الصلاة "صل معنا هذين اليومين"[ رواه مسلم والترمذي والنسائي.] ، ثم صلى عليه السلام في أواخر الأوقات بيانا لآخر الوقت الاختياري، "ثم لم يزل مثابرا على أوائل الأوقات إلا عند عارض، كالإبراد في شدة الحر، والجمع بين الصلاتين في السفر، وأشبه ذلك"[ الموافقات، 3/42.]، فالصلاة في أوائل الأوقات هو العمل الدائم وعليه المعول بينما الصلاة في أواخر الوقت الاختياري قليل بالنسبة إلى الأول، لكونه وقع موقع البيان للسائل، وبانتفاء موجب البيان لزم المصير إلى العمل الدائم والغالب وهو الصلاة في أوائل الأوقات. [أنظر الأمثلة الأخرى التي ساقها الشاطبي في بيان هذا الضرب، 3/43 وما يليها].

-أن يكون على خلاف ذلك وله وجوه منها:

* كون العمل القليل محتملا في نفسه كقيام الرجل للرجل، إذ يحتمل "أن يكون القيام على وجه الاحترام والتعظيم أو على وجه آخر من المبادرة إلى اللقاء لشوق يجده القائم للمقوم له، أو ليفسح له في المجلس حتى يجد موضعا للقعود، أو للإعانة على معنى من المعاني أو لغير ذلك مما يحتمل، وإذا احتمل الموضع طلبنا بالوقوف مع العمل المستمر، لإمكان أن يكون هذا العمل القليل غير معارض له. فنحن في اتباع العمل المستمر على بينة وبراءة ذمة باتفاق، وإن رجعنا إلى هذا المحتمل لم نجد فيه مع المعارض الأقوى وجها للتمسك إلا من باب التمسك بمجرد الظاهر، وذلك لا يقوى قوة معارضة"[ الموافقات، 3/47.].

* كون العمل القليل مختلفا في ثبوته، كتقبيل اليد وسجود الشكر.[نفسه، 3/47-48.].

*  كون العمل القليل خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم زمنا أو حالا، كمسحه صلى الله عليه وسلم في الوضوء على ناصيته وعلى العمامة في حال المرض.

* كون العمل القليل رأيا لبعض الصحابة مع عدم وجود المؤيد والمتابع، كعدم الاغتسال من الجماع بغير إنزال، فقد تركه عمر بن الخطاب ولم يعمل به ولم يتابع فيه زيدا بن ثابت لأنه لم يستمر من عمل الناس[الموافقات، 3/50.].

* كون العمل القليل منسوخا بعد العمل به فترة، فلابد من تركه والوقوف مع الأمر العام، ومثاله الصيام عن الميت[نفسه، 3/50.].



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[4]

الإيثار من الصفات الكريمة التي يتحلى بها الإنسان، إذ هو تفضيل الغير على النفس في الخير وهو شعار النفوس الكريمة الساعية لخدمة الإنسان.

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[3]

العدل حينما يرد في القرآن لا يمكن لأي كلمة أخرى أن تحل محله وهو على خمسة أوجه دلالية

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[2]

أفعال الإنسان ما هي إلا مظاهر أو فروع أو ثمار لما هو مستقر في نفسه من معاني الأخلاق، فإن صلح ما في نفسه صلح عمله وإن فسد ما في نفسه فسد عمله، فليست أعمال الإنسان مقطوعة الصلة عما في قرارة نفسه، وإنما هي موصولة به كما أن فروع الشجرة وثمارها موصولة بأصلها المغيب في التراب.