سلوكيات

المحاسـبة(2)

د/عبد الرحيم السوني                

باحث بمركز دراس بن إسماعيل 

 

المحاسبة في الاصطلاح الصوفي:

المحاسبة في الاصطلاح الصوفي تطلق على الموازنة بين مقدار ما يكتسبه العبد من الخير أو الشر، أو تقدير أعلى الخيرين وأدنى الشرين، روي عن أبى سليمان الدراني (ت:215هـ) أنه قال: «أبلغ الأشياء فيما بين الله وبين العبد المحاسبة»[1].

وروي عن الحارث المحاسبي (ت:243هـ): «المحاسبة والموازنة في أربعة مواطن فيما بين الإيمان والكفر، وفيما بين الصدق والكذب، وبين التوحيد والشرك، وبين الإخلاص والرياء»[2].

   وقال أبو طالب المكي (ت:386هـ): «صورة المحاسبة أن يقف العبد وقفة عند ظهور الهمة وابتداء الحركة، ثم يميز الخاطر وهو حركة القلب والاضطراب وهو تصرف الجسم، فإن كان ما خطر به الخاطر من الهمة التي تقتضى نية أو عقدا أو عزما أو فعلا أو سعيا، إن كان لله عز وجل وبه وفيه معنى لله عز وجل، أي خالصا لأجله، ومعنى به أي بمشاهدة قربه، لا بمقاربة نفسه وهواه، ومعنى فيه أي في سبيله وطلب رضاه عنه، وما ندب عنده، أمضاه وسارع في تنفيذه، وإن كان لعاجل دنيا، أو عارض هوى، أو لهو وغفلة، سرى بطبع البشرية ووصف الجبلة، نفاه وسارع فى نفيه، ولم يمكن الخاطر من قلبه بالإصغاء إليه والمحادثة»[3]، ثم يذكر أنه ما من فعلة وإن صغرت، إلا وينشر لها ثلاثة دواوين:

   أ- الديوان الأول: لم؟، أي لم فعلت؟، وهذا موضع الابتلاء عن وصف الربوبية بحكم العبودية ، أي كان عليك أن تعمل لمولاك، أم كان ذلك منك بهواك، فإن سلم من هذا الديوان، بأن كان عليه أن يعمل، كما أمر به سئل عن الديوان الثاني.

ب- الديوان الثاني: كيف؟ أي قيل له: كيف فعلت هذا؟، وهو مكان المطالبة بالعلم، وهو البلاء الثاني، أي قد عملته بأن كان عليك عمله فكيف عملته؟ أبعلم أم بجهل؟ فإن الله تعالى لا يقبل عملا، إلا على طريقته وطريقته العلم، فإن سلم من هذا نشر عليه الديوان الثالث.

ج- الديوان الثالث: لمن؟ أي قيل لمن؟ وهذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه الربوبية، وهو البلاء الثالث، وهو بغية الله عز وجل من خلقه الذين قال فى حقهم: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِين﴾[4]»[5].

  ويذكر القاشاني أن المحاسبة عند الصوفية هي المقايسة بين الحسنات والسيئات، ليعلم العبد أيهما أرجح، وهذه المقايسة تحتاج إلى ثلاثة أمور:

أحدها: ألا تضع ميزان الشرع من يدك، إذ لا يصح التمييز بين الحق والباطل لمن أهمله.

 ثانيها: أن لا تضع الحزم الذي هو سوء الظن بالنفس، بحيث لا تعتقد فيها أنها تفعل خيرا خالصا أصلا، إلا أن يرحم الله لآية: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾[6].

 ثالثها: ألا تشتبه عليك الفتنة بالنعمة، وذلك بأن تنظر إلى ما أنعم الله به عليك من خير، صحة كان أو فراغا، أو علما أو طاعة، أو مالا أو سؤددا، أو غير ذلك مما لا يعد كمالا في الدنيا والآخرة ، فإن وجدت ذلك مما يجمعك على الله، أي لا يميل بك إلى سواه من جميع الكائنات دنيا وآخرة فهو نعمة وإن وجدته مفرقا عنه فهو نقمة[7].

 

الهوامش:

 


[1] ـ طبقات الصوفية، م. س، ص: 80 .

[2] ـ نفسه، ص: 58 .

[3] ـ قوت القلوب، م. س، 1/78.

[4]  ـ سورة: الحجر، آية: 40.

[5] ـ المصدر السابق، 1/81ـ80 .

[6]  ـ سورة: يوسف، آية: 53.

[7] ـ لطائف الإعلام، م. س، ص: 406.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(10)

كلام الأولياء والعلماء بالله منطو على أسرار مصونة، وجواهر حكم مكنونة، لا يكشفها إلا هم، ولا نتبين حقائقها إلا بالتلقي عنهم.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(9)

الشروح عموما وخاصة شروح الحكم العطائية هي كتابة إبداعية تنطلق من عمق ذات الشارح وتتوسل بمناهج تختلف من شارح لآخر تمتطي اللغة وأساليبها لبلوغ الدلالة المقصودة من طرف مؤلف المتن المشروح.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(8)

الحكم العطائية لها بعدها التربوي المؤسس لقيم أخلاقية تكفل عيشا سليما يتغيى الرقي بالبعد الأخلاقي للفرد والمجتمع.