سلوكيات

التسليم(2)

دة/أسماء المصمودي 

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل


أقوال الصوفية في التسليم :

 يقول سيدي ابن عجيبة: « التسليم ترك التدبير، والاختيار بالسكون تحت مجاري الأقدار، فيرادف الرضا على الحد الأخير، والرضا أعظم من الأولين. وقيل: الرضا يكون عند النزول، والتسليم قبل النزول، وهو التفويض بعينه، فبدايتهما بالصبر والمجاهدة، ووسطهما بالسكون مع خواطر التبرم والكراهية، ونهايتهما بفرح وسكون مع عدم التبرم. الأول للعامة، والثاني للخاصة، والثالث لخاصة الخاصة. ويغتفر الخاطر الأول عند الجميع لضعف البشرية إذ لا يخلو منه بشر. »[1]

 كما جمع سيدي ابن عجيبة في تعريفه لمقام التسليم بين مقامات ثلاثة مبتغيا ترتيبها وهي التسليم والتفويض، إذ جعلهما اسمين لمسمى واحد، ثم الرضا على اعتبار أنه أسمى منهما، فمقام التسليم جسر موصل إلى مقام الرضا، على أنه لابد لمن أراد أن يصل إلى مقام التسليم أن يتسلح بأمور ثلاثة :

 أولها المكابدة والمجاهدة في سبيل قبول الأمر المراد التسليم به أو له، وهذا من مقتضيات النفس البشرية، التي لا تجد بدا من الاعتراض والمناقشة والمفاصلة، مدعية نشدان المنطق والصواب. فالتزام التسليم للأمر يستوجب مجاهدة النفس وضبطها وحصرها في إعلامها بقصورها وعدم سداد رأيها، وإنما هي أمارة بالسوء، لم تنفتح بصيرتها بعدُ لتجد الصواب والسداد.

أما ثانيها فهو حصول القناعة بنقصانها مع وجود بقايا وشوائب من التبرم والكراهية للحادث .

وثالثها السكون والطمأنينة من غير تمرد أو كراهية، وإنما بفرح واطمئنان، وهذه الدرجة هي التي تسلمنا للرضا والرضوان.

وعن منزلة التسليم يقول صاحب "مدارج السالكين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين" : «وهي نوعان: تسليم لحكمه الديني الأمري، وتسليم لحكمه الكوني القدري.

فأما الأول: فهو تسليم المؤمنين العارفين. قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.

أما مراتبه وأنواعه : ثلاث مراتب: التحكيم، وسعة الصدر بانتفاء الحرج والتسليم.

وأما التسليم للحكم الكوني: فمزلة أقدام ومَضَلّة أفهام. حيّر الأنام، وأوقع الخصام. وهي مسألة الرضى بالقضاء. »[2] 

ويقول الهروي في منازل السائرين: « وفي التسليم والثقة و التفويض ما في التوكل من الاعتلال وهو من أعلى درجات سبيل العامة. »[3]

الهوامش: 

 

 


[1]  ـ معراج التشوف الى حقائق التصوف، ص.31                

[2]  ـ  مدارج السالكين بين منازل " إياك نعبد وإياك نستعين"، ابو بكر بن أيوب بن قيم الجوزية، ضبط وتحقيق رضوان جامع رضوان،ط.1، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع،  ج1، 547ـ 548

[3] ـ   منازل السائرين، ص.47



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مفهوم التدين[4]

المقوم الإحساني: مبناه على تمام الجمع بين ظاهر التكاليف وباطنها، مع تحصيل الإخلاص فيه، وتحقيق التعبد على مقتضى التكامل المفيد في ترسيخ تحقق المتدين بالتبعية الاعتقادية والاشتغالية المقومة للحقيقة الدينية.

مفهوم التدين[3]

الدين، كما هو لائح من البيان النبوي، ذو«مقومات معنوية» تؤسس ماهيته، وبها يتشكل قوام التبعية الاعتقادية والاشتغالية لدى المتدين.

مفهوم التدين[2]

التدين هو الحقيقة الدينية وقد تشخصت في أرض السلوك والاكتساب، بعد أن كانت معطى مجردا متعاليا، بحيث يمكن القول إن التدين هو الإمكان التنزيلي لحقائق الدين.