شذور ذهبية

وجوه الترجيحات(13)

 

يقول الإمام الحافظ أبو بكر بن حازم الهمذاني (ت584هـ) مُبيناً وجوه الترجيح:

 

الوجه الثامن والأربعون: إذا تعارض الخبران في الحدود وأحدهما يكون مسقطا والآخر موجبا، فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال لا يرجح أحدهما على الآخر، لأن كل واحد منهما حكم شرعي ولا تؤثر الشبهة في ثبوته شرعا كما يثبت الحد بخبر الواحد و القياس مع وجود الشبهة، ومنهم من قال يقدم المسقط على الموجب لقوله صلى الله عليه وسلم:( ادرأوا الحدود ما استطعتم).

الوجه التاسع والأربعون: أن يكون أحد الحديثين إثباتا يتضمن النقل عن حكم العقل والثاني نفيا يتضمن الإقرار على حكم العقل فيكون الإثبات أولى؛ لأنا استفدنا بالمثبت ما لم نكن نستفيده من قبل، ولم نستفد من الثاني أمرا إلا ما كنا نستفيده من قبل، فكان المثبت أولى، وصورة المثبت أن يرد حديث بوجوب فعل لا يوجبه العقل، ويرد حديث آخر بأنه لا يجب، فهذا مبقي على حكم العقل، وذاك ناقل مفيد فهو أولى، فأما إذا كان نفيه وإثباته ثابتين بالشرع فلا يرجح بهذا أحد الحديثين على الآخر؛ لأن كل واحد منهما ناقل عن حكم العقل.

 

الوجه الخمسون: أن يكون الحديثان المتعارضان من قبيل الأقضية، وراوي أحدهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو من قبيل الحلال و الحرام وراوي أحدهما معاذ، أو من قبيل الفرائض وراوي أحدهما زيد بن ثابت، وهلم جرا في بقية العلوم، وكل واحد من هؤلاء شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراعة والحذق في فنه، فهل يصلح هذا في باب الترجيح أم لا، اختلفوا فيه فذهب أكثرهم إلى أنه يحصل به الترجيح وهو الصحيح؛ لأن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم أبلغ في تقوية الظن من كثير مما ذكرناه من الترجيحات، ولهذا المعنى قدمنا قول الصحابي على قول التابعي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (أصحابي كالنجوم  بأيهم اقتديتم اهتديتم.)

فهذا القدر كاف في ذكر الترجيحات، وثم وجوه كثيرة أضربنا عن ذكرها كيلا يطول به هذا المختصر.

 

كتاب الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار،

الصفحة: 21- 22.

الطبعة الثانية،

مطبعة دائرة المعارف العثمانية،

حيدر آباد، 1359هـ.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في معرفة الضعفاء[4]

أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام.

في معرفة الضعفاء[3]

إن كثيرا من أحوال المحققين من الصوفية لا يفي بتمييز حقه من باطله علم الفروع، بل لا بد مع ذلك  من معرفة القواعد الأصولية، والتمييز بين الواجب والجائز والمستحيل العقلي والمستحيل العادي، فقد يكون المتميز في الفقه جاهلا بذلك حتى يعد المستحيلَ عادةً مستحيلا عقلا.

في معرفة الضعفاء[2]

لا تعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى فقد حصل مُعتمَدُ الرواية.