أشعريات

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (1)

ذ. عبد العلي بلامين

باحث بمركز درّاس بن إسماعيل

 

مقدمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإنه لمّا تطلّب ظهورُ الأمور والقضايا المستجدة الكشفَ عن حكم شرعيّ يُوضّحها ويجلّيها تأكيداً لصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، ورفعاً للحرج الذي يعتري المكلّفين نتيجة الجهل بحكمها، فقد قيّض الله جل وعلا لهذه المستجدات الطارئة العلماءَ الراسخين في العلم والمجدّدين في كل عصر، فأفردوا مصنفات في بيان أحكامها اشتُهرت بكتب النوازل عند فقهاء المالكية، وهذا سبق يُسجل لفقهاء المالكية في استعمال هذا المصطلح الدقيق دلالته، وفي إفراد تواليف خاصة بالمستجدات الفقهية وببيان أحكامها، وقد تضمّنت بعض كتب الفتاوى والأجوبة في مختلف المذاهب الفقهية شيئاً من هذه النوازل.

ونَحَا المتكلّمون الذّابُّون عن أصول الدين نحو الفقهاء فتابعوا  المستجدات المتّصلة بالاعتقاد، وما يُلم بالناس من شبهات من شأنها زعزعة إيمانهم، بقصد رفع اللّبس عن مختلف القضايا العقدية المتداولة للدرس والفحص وحل الإشكالات العقدية المتصلة بها، والمنافحة عن القيم العقدية، ونفي الغلو والتطرّف عن الشريعة السّمحة.

وتجدر الإشارة إلى أن البُعد الدلالي للنازلة العقديّة من الممكن أن يشمل ما ينزل بالناس من كلام العوام الذي قد تتخلّله أخطاء عقديّة، أو أن يشمل ما ينزل بهم من مقالات وشبهات من شأنها أن تُلبّس الحقائق العقدية على الناس، فتكون الحاجة حينئذ ملحة لتصدي عالم مصلح لها، يقوّم اللسان، ويؤمّن الجَنان، ليتأتى للمُكلَّفين العمل بالأركان على نحو ما يرضاه الرحمن.

ونجد من كتابات المتكلّمين في هذا الشأن:

- أجوبة في التوحيد، لأبي العباس أحمد بن علي المنجور المكناسي الفاسي (ت995هـ)، أجاب فيها عن ستة أسئلة دقيقة في أصول الدين[1].

أخذ الجُنّة عن إشكال نعيم الجنّة، لأبي علي الحسن اليوسي (1102هـ)[2].

-أجوبة لأبي عبد الله محمد بن عبد الباقي الزُّرقانيّ (ت1122هـ) عن ثلاث وخمسين سؤالاً في التوحيد، نظمها في أربعة وخمسين بيتاً ثم نثرها ![3].

وقبل هذه المؤلفات ظهرت كتابة فريدة من نوعها، واقعية في منهجها، رصد مؤلفها من خلالها ما استجد من أخطاء عقدية جرت على ألسنة العوام، عنوانها: "لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام"[4] لأبي علي عمر بن محمد بن خليل السّكوني المالكي الأشعري (ت717هـ) مُعوِّلاً في التحذير من هذه الإطلاقات على ما تقرّر من قواعد المذهب الأشعري.

وقد ألّفها إيماناً منه بأن نصح المسلمين واجب، خصوصاً في ما يتعلق بالعقيدة التي تتوقف صحة العبادات والمعاملات على صحتها.

ولأهمية موضوع النوازل العقدية وقلة الدراسات فيه، ومنزلة الإمام أبي علي السكونيّ وكتابه في المنظومة العقدية الأشعرية، قرّرت أن أخصّص هذه الدّراسة لاستنباط منهجه في التعامل مع النوازل العقديّة مستندًا إلى مُؤلَّفه المتقدِّم ذكره، وأن أجعلها مُنتظمة في محورين رئيسين:

1-أبو علي عمر بن محمد بن خليل السّكوني المتكلِّم النّوازلي (ت717هـ).

2- منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه "لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام".

 

 

الهوامش:


-[1]توجد نسخة مخطوطة منه في الخزانة الحسنية بالرباط، تحت رقم: 13144.

-[2] توجد نسخة مخطوطة منه في الخزانة الحسنية بالرباط، تحت رقم: 6602.

-[3]توجد نسخة مخطوطة منه في الخزانة الحسنية بالرباط، تحت رقم: 12028.

-[4] تحقيق وتقديم: سعد غراب. حوليات الجامعة التونسية، العدد:12، سنة: 1975م.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]12

(وحدة الذات) العلية، أي عدم تركبها من أجزاء المسمى بالكم المتصل، وعدم وجود ذات أخرى تماثلها ويسمى الكم المنفصل، فالوحدة عدم الكم مطلقا وليس المراد أن الذات العلية بلغت من الدقة إلى حد لا يمكن قسمه فتكون جوهرا فردا تعالى الله عن ذلك.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (7)

من منهجه الإكثار من التصويبات، فهو لا يكتفي بمجرد التنبيه إلى الإطلاقات الفاسدة الجارية على ألسنة الناس، بل يتعدّى ذلك إلى ذكر الإطلاقات الشرعية الصحيحة والبديلة لها.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (5)

لا يُبادر أبو علي السكونيّ إلى الحكم على النازلة إلا بعد تصوّرها، فغير خافٍ  عليه أن الحكم على الشيء فرع عنه تصوّره، لذلك تجده ينقل بأمانة مختلف الإطلاقات الفاسدة كما وردت على لسان قائلها ولو كانت غير فصيحة ميّالة إلى الدارجة.