سلوكيات

مصطلح الزهد (2)

دة/أسماء المصمودي 

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل

 

الزهد في الحديث النبوي الشريف:

عن أبي خلاد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهدا في الدنيا، وقلة منطق، فاقتربوا منه، فإنه يلقي الحكمة."[1]

فمن علامات الحكمة أن يكون العبد زاهدا في الدنيا راغبا عنها بما في ذلك كثرة الكلام، وفي  الحديث أيضا الحث على الاقتراب من هؤلاء ومصاحبتهم لنيل الفائدة من حكمهم، فهم أناس عرفوا بأن الزهد في الدنيا موجب لمحبة الله عز وجل، فقد جاء عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال : "أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس".[2]

ومن الأحاديث التي توحي بمعنى الزهد من خلال استصغار الدنيا واحتقارها، وإجلال الآخرة وتعظيمها ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"[3].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"[4].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى جعل الدنيا كلها قليلا، وما بقي منها إلا القليل، ومثل ما بقي منها كالثغب يعني الغدير، شرب صفوه، وبقي كدره"[5]. فعلى الفرد المؤمن أن لا يستبدل ما أعده الله له في الآخرة من الخلود في النعم بمتاع الدنيا الزائف الزائل، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بشر أمتي بالسناء والرفعة والتمكين في البلاد، ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن طلب الدنيا بعمل الآخرة لم يكن له في الآخرة نصيب."[6]

 وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم مفهوم الزهد، إذ ليس من الضروري العزوف عن الدنيا وعدم السعي والتماس الفقر، وإنما الفقر افتقار لله عز وجل والغنى غنى به سبحانه، فعن أبي ذر الغفاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا في إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يدي الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها، لو أنه أبقيت لك "[7].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا وكذلك سار الصحابة رضي الله عنهم على هديه، فكانت سمتهم التي لا تفارقهم، إذ بالإضافة إلى كثرة الصيام والصلاة والعكوف على أركان الدين، لابد للقلب أن يكون متعلقا بالله عز وجل في السكون والحركة، ومن كان كذلك لم تكن الدنيا همه وإنما همه كيف المثول بين يدي الله عز وجل، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: أنتم أكثر صلاة وأكثر صياما من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا: و بم ؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا و أرغب منكم في الآخرة ."[8]

فالزهد لا يعني بحال من الأحوال العزوف عن ما متعنا الله به سبحانه من النعم، إذ العمل والكسب الحلال والسعي وراء العيش الكريم عبادة على أن يوافقه التوكل على الله والرضى بقسمته وقضاءه، كما لا يجب أن يكون للعبد تعلق بالدنيا، وإنما التوحيد يقتضي في الأصل ألا تشرك شيئا من الهوى أو حب الدنيا في محبة الله عز وجل، فإذا ولج حب الدنيا والتعلق بها قلب العبد كان سببا لبعده عن محبة الله عز وجل، فإذا كانت الدنيا في يد العبد وسخرها للتقرب إلى الله بشتى العبادات، كانت له مطية لنيل الحظوة والمكانة الخاصة عند رب العزة.

الهوامش:

 


[1]  ـ سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، رقم 4101.

[2]  ـ سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، رقم 4102

[3]  ـ صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب"، رقم 6416.

[4]  ـ  صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق،  رقم 2956.

[5]  ـ المستدرك على الصحيحين، كتاب الرقاق، رقم 7904.

[6]  ـ المستدرك على الصحيحين ، كتاب الرقاق ، رقم 7895.

[7]  ـ سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب الزهد في الدنيا، رقم 4100

[8]  ـ المستدرك على الصحيحين،كتاب الرقاق، رقم : 7880



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(12)

خلو القلب من التعلقات دليل على وصاله برب العباد.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(11)

انبنى منهج ابن عباد في شرحه للحكم على تفسير المراد من القول؛ إذ غالبا ما يَسْنُد شرحه بالاستشهاد بالآيات و الأحاديث، وغالبا ما تتلخص مقصديته في البعد التذكيري وكذا التربوي، حتى يكون شرحه معزِّزا لمقاصد الحكم.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(10)

كلام الأولياء والعلماء بالله منطو على أسرار مصونة، وجواهر حكم مكنونة، لا يكشفها إلا هم، ولا نتبين حقائقها إلا بالتلقي عنهم.