شذور ذهبية

وجوه النظم (3)

 

قال عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى في بيان وجوه تعلُّق الكلمِ بعضِها ببعضٍ:

وأما تعلُّق الحرفِ بهما فعلى ثلاثةِ أضرب:

أحدها أن يتوسّط بين الفِعل والاسم فيكون ذلكَ في حُروفِ الجرّ التي من شأنها أن تُعَدّيَ الأفعال إلى ما لا تَتَعدّى إليه بأنفسها من الأسماء، مثل أنّك تقولُ "مررتُ" فلا يصلُ إلى نحو زيدٍ وعمرٍو. فإذا قلت: مررتُ بزيدٍ أو على زيدٍ، وجدته قد 

وَصَل بالباء أو على. وكذلك سبيلُ الواو الكائنة بمعنى (مع) في قولنا: لو تركت النّاقةُ وفصيلَها لرضعها، بمنزلة حرف الجرّ في التوسط بين الفعلِ والاسمِ، وإيصاله إليه. إلا أنّ الفرق أنها لا تعمل بنفسِها شَيئًا، لكنها تُعين الفعلَ على عملِه النَّصب. وكذلك حكم (إلاَّ) في الاستثناء فإنها عندهم بمنزلة هذه الواو الكائنة بمعنى مع في التوسُّطِ، وعمل النّصب في المستثنى للفعل ولكن بوساطتها وعون منها.

 والضرب الثاني من تعلق الحرف بما يتعلق به العطفُ وهو أن يدخل الثاني في عَمل العاملِ في الأول كقولنا: جاءني زيدٌ وعمرو، ورأيت زيدًا وعمرًا، ومررت بزيدٍ وعمرو.

والضرب الثالث: تعلُّقه بمجموع الجُملة كتعلق حرف النّفي والاستفهام والشّرط والجَزاء بما يدخلُ عليه. وذلك أن من شأن هذه المعاني أن تتناولَ ما تتناولهُ بتقييدٍ وبعد أن يسند إلى شيء. معنى ذلك أنك إذا قلت: "ما خَرج زيدٌ وما زيدٌ خارج". لم يكن النّفيُ الواقعُ بها متناولاً الخروجَ على الإطلاق. بل الخروج واقعًا من زيدٍ ومسندًا إليه. ولا يغرّنك قولُنا في نحو "لا رجلَ في الدار" أنها لنفي الجنس. فإن المعنى في ذلك أنها لنفي الكينونةِ في الدّار عن الجنس، ولو كان يتصوَّرُ تعلُّق النّفيِ بالاسمِ المفردِ لكان الذي قالوه في كلمة التَّوحيد من أن التقديرَ فيها لا "إله لَنا أو في الوجود إلا الله" فضلاً من القول، وتقديرًا لما لا يحتاج إليه، وكذلك الحُكم أبدًا. فإذا قلت: هل خَرج زيدٌ؟ لم تكن قد استفهمتَ عن الخُروج مطلقًا ولكنْ عنه واقعًا من زيدٍ. وإذا قلت: إن يأتني زيد أُكْرِمْه: لم تكن جعلتَ الإتيانَ شرطًا بل الإتيان من زيدٍ، وكذا لم تجعل الإكرام على الإطلاق جزاءَ الإتيان بل الإكرام واقعًا منك. كيف وذلك يؤدي إلى أشنعِ ما يكون من المُحال، وهو أن يكون هاهنا إتيانٌ من غير آتٍ وإكرامٌ من غير مكرم، ثم يكون هذا شرطًا وذلك جزاءً؟

 ومختصرُ كلّ الأمر أنه لا يكونُ كلامٌ من جزء واحد وأنه لا بدّ من مسند ومسند إليه وكذلك السبيلُ في كلّ حرفٍ رأيتَهُ يدخلُ على جملة (كأنَّ) وأخواتها، ألا ترى أنك إذا قلت "كأنَّ" يقتضي مشبهًا ومشبَّهًا به كقولك: كأنَّ زيدًا الأسد. وكذلك إذا قلت "لو" و "لولا" وجدتهما يقتضيان جملتين تكون الثانية جوابًا للأولى.

وجملة الأمر أنه لا يكون كلامٌ من حرفٍ وفعل أصلاً، ولا من حرفٍ واسمٍ إلا في النّداء نحو: يا عبد الله. وذلك أيضًا إذا حُقق الأمر كان كلامًا بتقديرِ الفعل المُضمر الذي هو أعْني، وأريد، وأدعو، و (يا) دليلٌ على قيام معناه في النفس.

 

دلائل الإعجاز،

الصفحة: 55-54 .

تحقيق: د/محمد رضوان الداية، د/فايزالداية

الطبعة الأولى

رجب الفرد 1428هـ

آب(أغسطس)2007م

دار الفكر بدمشق



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في معرفة الضعفاء[4]

أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام.

في معرفة الضعفاء[3]

إن كثيرا من أحوال المحققين من الصوفية لا يفي بتمييز حقه من باطله علم الفروع، بل لا بد مع ذلك  من معرفة القواعد الأصولية، والتمييز بين الواجب والجائز والمستحيل العقلي والمستحيل العادي، فقد يكون المتميز في الفقه جاهلا بذلك حتى يعد المستحيلَ عادةً مستحيلا عقلا.

في معرفة الضعفاء[2]

لا تعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى فقد حصل مُعتمَدُ الرواية.