مالكيات

التعريف بمراحل تطور المذهب المالكي ومدارسه ومصادره الفقهية وأصوله[17]

 الدكتور عبد الله معصر

رئيس مركز دراس بن إسماعيل:


 أما الإمام الشاطبي فرد الأدلة إلى ضربين: أحدهما ما يرجع إلى النقل، والثاني ما يرجع إلى الرأي[1]، واقتصاره على هذا التقسيم له وجه معقول- كما يرى محمد أبو زهرة- رحمه الله- ؛ لأن عمل أهل المدينة وقول الصحابي كان يعتبرهما مالك من شعب السنة، كما أن كلمة الرأي تشمل بعمومها المصالح المرسلة، وسد الذرائع والعادات والاستحسان، والاستصحاب والقياس؛ لأن هذه مشمولات الرأي وبعبارة ما يدخل تحت كلمة الاجتهاد مما عدا النص[2].

وقد أحصى بعض المتأخرين أصول المالكية وجمعوها في مؤلفات خاصة، ومن هؤلاء ابن أبي كف[3] في نظمه لأصول المالكية في تسعة وعشرين بيتا، وشرحها محمد يحيى بن محمد المختار الطالب عبد الله الولاتي الشنقيطي(ت1330هـ)[4] بشرح سماه إيصال السالك إلى  أصول الإمام مالك، والشيخ حسن المشاط[5] في كتاب سماه الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة؛ وهي كالتالي :الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابي، والاستحسان، والمصالح المرسلة، والاستصحاب، وسد الذرائع، والعرف، والعوائد، ومراعاة الخلاف.

ومهما يكن فإن المذهب المالكي أكثر المذاهب  أصولا[6]، وهذا يجعله أكثر مرونة وأقرب حيوية، وأدنى إلى مصالح الناس، كما يقول المرحوم أبو زهرة.[7]

نص الكتاب: والمراد به عند الأصوليين: اللفظ المفيد لمعنى لا يحتمل ذلك اللفظ غيره، وذلك كزيد في قولك: جاء زيد، فإنه مفيد الذات المشخصة من غير احتمال[8]، ومثاله في الكتاب العزيز قوله تعالى في صيام المتمتع الذي لم يجد هديا: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة)[9] ؛ فقوله تعالى:(تلك عشرة كاملة) نص على أن المتمتع الذي لم يجد هديا  عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة أيام بعد الرجوع، فتلك عشرة كاملة.

ويقابل النص الظاهر: وهو ما احتمل معنى غير المعنى المراد منه احتمالا مرجوحا كالأسد في قولك: رأيت اليوم أسدا، فإنه مفيد للحيوان المفترس محتمل للرجل الشجاع؛ لأنه معنى مجازي له[10]،ومثاله قوله تعالى في المُظاهر الذي لم يستطع الصوم: (فإطعام ستين مسكينا)[11]، فإن ظاهرها أن المظاهر العاجز عن الصوم يجب عليه إطعام ستين مسكينا، أي شخصا فقيرا لا مال له، ولا يجوز إعطاؤه لمسكين واحد، وقد يراد بالمسكين المد إلا أنه غير الظاهر[12]،وهو تأويل بعيد قال في المراقي:

                 فجعل مسكين بمعنى المد                       عليه لائح سمات البعد[13]

العموم:ومعناه التناول، والمراد بالعام: هو لفظ يستغرق جميع المعاني الصالحة له دفعة من غير حصر، والعام على ثلاثة أقسام[14]:

الأول: العام الباقي على عمومه، مثال(إن الله لا يظلم الناس شيئا)[15].

الثاني: العام المراد به الخصوص، وهو اللفظ المستعمل في بعض أفراده، فليس عمومه مرادا لا تناولا، ولا حكما، بل هو كلي من حيث إن له أفرادا بحسب الأصل، لكن استعمل في بعض تلك الأفراد، ومن أمثلته قوله تعالى:( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم)[16]، والقائل واحد وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد أسلم رضي الله عنه، أو أعرابي من خزاعة، قيل في ذلك لقيامه مقام كثير في تثبيطه المومنين عن ملاقاة أبي سفيان رضي الله عنه، وهو المراد بالناس الثاني.

والثالث:العام المخصوص، وهو اللفظ المستعمل في كل الأفراد، لكن عمومه مراد تناولا لا حكما، لأن بعض الأفراد لا يشملها الحكم نظرا للمخصص، ومثاله قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)[17]، فالمطلقات عام في الحوامل وغيرهن، خص منه الحوامل بقوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)[18].

 

الهوامش:

 


 [1] - الموافقات:الشاطبي ج3ص41 .

[2]- مالك:لأبي زهرة ص376، ومحاضرات :للجيدي ص66 .

[3]- أحمد بن محمد بن أبي كف عالم جليل لم أقف على تاريخ وفاته.

[4]- انظر في التعريف به مقدمة إيصال السالك.

 حسن بن محمد المشاط أحد علماء الحرمين الشريفين توفي سنة 1399هـ انظر مقدمة الجواهر الثمينة --- للمحقق عبد الوهاب أبو سليمان ص17[5]

 [6]-المصالح المرسلة وبناء المجتمع الإنساني الشاطبي – ابن خلدون نموذجين إدريس حمادي ص60 .

[7]- مالك:أبو زهرة ص376 ومحاضرات للجيدي ص66.

[8]- الجواهر الثمينة ص123 .

 

[9] - سورة البقرة الآية196 .

[10]- نشر البنود ج1ص89 .

[11]  -سورة المجادلة الآية 4، .

 -[12]الجواهر الثمينة ص124.

 -[13] نشر البنود ج1ص271.

-[14] نشر البنود ج1ص206 والجواهر الثمينة ص131.

 -[15]سورة يونس الآية 44 .

[16] -سورة آل عمران الآية 173.

[17] -سورة البقرة الآية 228 .

 [18]-سورة الطلاق الآية 4 .



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

سيدي محمد المهدي الوزاني تميز وتمكن في فقه النوازل[4]

لم يكن المؤلف جامعًا للغث والسمين، الشيء الذي يدل على استقرائه لما وجد من أجوبة وفتاوى، فاقتصر على أقوال الفقهاء المتمكنين، والعلماء البارعين في مجال الإفتاء.

سيدي محمد المهدي الوزاني تميز وتمكن في فقه النوازل[3]

درس بمدينة فاس، وبقي بها عالما مدرسا، و نوازليا محررا ومؤلفا كبيرا، فأغنى بذلك المكتبة الفقهية المغربية حتى اشتهرت النوازل باسمه، وكان رحمه الله مفتي فاس ترد عليه الأسئلة من سائر أقطار المغرب.

سيدي محمد المهدي الوزاني تميز وتمكن في فقه النوازل[2]

الفقيه لم يكن بعيدا عن واقعه ولا منعزلا عن مجتمعه مكتفيا بإصدار فتاوى نظرية، وإيجاد حلول لوقائع فرَضية، بل إن الفقيه كان ابن بيئته يعيش مع الناس وبين الناس، يشهد من الحوادث ما يشهدونه.