شذور ذهبية

وجوه النظم (4)

 

قال عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى في بيان وجوه تعلُّق الكلمِ بعضِها ببعضٍ:

فهذه هي الطُّرقُ والوجوه في تعلُّق الكلمِ بعضِها ببعضٍ وهي كما تراها معاني النَّحوِ وأحكامه.

 وكذلك السَّبيل في كل شيء كان له مدخَلٌ في صحّة تعلق الكلمِ بعضِها ببعضٍ لا ترى شيئًا من ذلك يعدو أن يكون حكمًا من أحكام النحو ومعنىً من معانيه. ثم إنا نرى هذه كلّها موجودةً في كلام العربِ، ونرى العلمَ بها مشترَكًا بينهم.

 وإذا كان ذلك فما جوابُنا لخصمٍ يقول لنا: إذا كانت هذه الأمورُ وهذه الوجوهُ من التعلق التي هي محصولُ النَّظمِ موجودةً على حقائقها، وعلى الصحّة، وكما ينبغي في منثورِ كلام العربِ ومنظومِه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا فيها وكملوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا تَختلف بها الحال، إذ لا يكون للاسمِ بكونه خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو حالاً لذي حال، أو فاعلاً، أو مفعولاً لفعل، في كلامٍ حقيقةٌ هي خلافُ حقيقةٍ في كلام آخر، فما هذا الذي تجدّد بالقرآن من عظيم المزيّة، وباهرِ الفضل، والعجيب من الرّصف، حتى أعجز الخلقَ قاطبةً، وحتى قهرَ من البلغاء والفُصحَاء القُوى والقدر، وقيد الخواطر والفكر، وحتى خَرست الشقاشق، وعدم نطق الناطق، وحتى لم يجر لسان، ولم يُبنْ بيان، ولم يساعد إمكان، ولم ينقدحْ لأحدٍ منهم زَنْد، ولم يمضِ له حدّ، وحتى أسال الوادي عليهم عجزا، وأخذ منافذَ القولِ عليهم أخذًا، أيلزمُنا أن نجيبَ هذا الخصم عن سؤاله، ونردَّهُ عن ضلاله، وأن نَطِبَّ لدائِه، ونُزيل الفسادَ عن رائه؟ فإن كان ذلك يَلْزمُنا فينبغي لكلّ ذي دينٍ وعقلٍ أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، ويستقصيَ التأمُّل لما أودعناه، فإن علم أنه الطريقُ إلى البيَان، والكشف عن الحُجّةِ والبرهانِ، تبعَ الحقَّ وأخذَ بهِ، وإن رأى أنَّ له طريقًا غيره أومى لنا إليه، ودلَّنا عليه، وهيهات ذلك، وهذه أبيات في مثل ذلك:  

إني أقولُ مقالاً لستُ أُخفيه                 ولستُ أرهبُ خصْمًا إنْ بَدا فيهِ

ما مِنْ سبيلٍ إلى إثباتِ مُعجزةٍ               في النَّظمِ إلاّ بما أصبحْتُ أبديهِ

فما لنظْمِ كَلامٍ أنتَ ناظمهُ                  مَعْنًى سوى حُكْم إعراب تُزجّيهِ

اسمٌ يرى وهو أصْلٌ للكلامِ فما                 يَتِمُّ من دُونه قصدٌ لِمُنشيهِ

وآخر هو يعطيك الزيادة في                     ما أنت تثبته أو أنت تنفيهِ

تفسيرُ ذلك أنّ الأَصْلَ مُبتدأ                    تَلقى له خبرًا من بَعدُ تثنيهِ

وفاعلٌ مُسندٌ فعلٌ تُقدِّمهُ                         إليهِ يُكْسِبُه وَصفًا ويُعطيه

هذان أصْلانِ لا تأتيكَ فائدةٌ                 من منطقٍ لم يكونا من مَبانيهِ

وما يَزِيدُكَ من بَعْدِ التَّمامِ فَما                سلّطت فِعلاً عليهِ في تَعدِّيه

هذي قوانين يكفى من تتبعها             ما يُشبهُ البحرَ فيضًا من نواحيهِ

فلستَ تأتي إلى بابٍ لتعلمه               إلا انصرفتَ بعَجْزٍ عن تَقَصِّيه

 هذا كذاكَ وإنْ كان الذينَ تَرى           يَرَوْنَ أنّ المَدى دانٍ لباغيهِ

ثُمّ الذي هو قَصدي أن يقالَ لَهُمْ         بما يُجيبُ الفَتى خَصْمًا يُماريهِ

يقولُ: من أينَ أنْ لا نَظْمَ يُشبِههُ         وليسَ من مَنْطِقٍ في ذاك يَحكيه

وقد عَلِمْنا بأنّ النَّظْمَ ليس سوى         حُكمٍ من النَّحو نَمضي في تَوخّيهِ

لو نقَّب الأرض باغٍ غيرَ ذاك له         مَعنًى وصعَّدَ يعلو في ترقّيهِ

ما عادَ إلا بخُسْرٍ في تَطَلُّبهِ               ولا رَأى غيرَ غَيِّ في تَبغّيهِ

ونَحْنُ ما إن بثَثْنا الفِكرَ ننظُر في          أحكامهِ ونُروّي في مَعانِيهِ

كانَتْ حَقائق يُلفى العلمُ مُشْتركًا        بها وكُلا تَراهُ نافذًا فيهِ

فليسَ معرفةٌ من دون مَعرفةٍ               في كلّ ما أنت من بابٍ تُسَمّيهِ

ترى تَصرُّفَهُمْ في الكُلِّ مُطّردًا             يجُرونَهُ باقْتِدارٍ في مَجاريهِ

فما الذي زادَ في هذا الذي عَرَفُوا        حتّى غدا العَجزُ يَهمي سيلُ واديهِ

قُولوا وإلا فأَصْغُوا للبيانِ تَرَوْا            كالصُّبْحِ مُنبلجًا في عَيْنِ رائيهِ

 

     الحمد لله وحده وصلواته على رسوله محمد وآله.

 

دلائل الإعجاز،

ص،ص: 55-56-57-58.

تحقيق: د/محمد رضوان الداية، د/فايزالداية

الطبعة الأولى

رجب الفرد 1428هـ

آب(أغسطس)2007م

دار الفكر بدمشق



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(5)

الطبقة الثالِثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صُنّفت قبل البخَارِي ومسلم وَفِي زمانهم وبعدهما، جَمَعت بَين الصّحِيح وَالحسن والضعيف وَالْمَعْرُوف والغريب والشاذ وَالْمُنكر وَالْخَطَأ وَالصَّوَاب وَالثَّابِت والمقلوب، وَلم تشتهر فِي الْعلمَاء ذَلِك الاشتهار وَإِن زَالَ عَنهَا اسْم النكارة المُطلقة.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(4)

الطَّبَقَة الثَّانِيَة: كتب لم تبلغ مَبْلغ الْمُوَطَّأ والصحيحين وَلكنهَا تتلوها. كَانَ مُصنّْفوها معروفين بالوثوق وَالْعَدَالَة وَالْحِفْظ والتبحر فِي فنون الحَدِيث، وَلم يرْضوا فِي كتبهمْ هَذِه بالتساهل فِيما اشترطوا على أنفسهم، فلتقاها مَنْ بعدهمْ بِالْقبُولِ.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(3)

قد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها، وَقد تَتَبَّعتُ مَا استدركه فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه وَلم يُصبْ من وَجه.