سلوكيات

مصطلح التوكل(2)

دة/أسماء المصمودي 

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل

 

التوكل في الحديث النبوي الشريف:

ـ عن عمران بن حصين رضي الله عنه « أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقه حلقة من صُفر فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة قال: أيَسُرُّكَ أن تُوكَل إليها؟ انبذها عنك. »[1] فالأصل التوكل على الله عز وجل، فما من كائن إلا بإذنه عز وجل .

ـ عن سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من توكل لي ما بين رجليه وما بين لحييه توكلت له بالجنة »[2].  ففي قوله من توكل أي « من تكفل ...وأصل التوكل الاعتماد والوثوق، أي الوثوق بالوكيل وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله:ما بين رجليه أي فرجه، ولحييه بفتح اللام وهو منبت اللحية والأسنان... والمراد به اللسان، وقوله: توكلت له من باب المقابلة ... بمعنى ضمنت»[3] ، فمن صان فرجه ولسانه ضمن له رسول الله صلى الله عليه الجنة، ومن المؤكد أن صيانتهما من المخالفات والمعاصي يستوجب الكثير من المجاهدة والمكابدة، وفي الحديث معنى أوسع للتوكل إذ يشمل التكفل والضمان.

ـ عن ابن شهاب قال: «اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحدهما تهاون ببعض حجته لم يبلغ فيها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر، فقال المتهاون بحجته: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبي الله ونعم الوكيل يحرك يده مرتين أو ثلاثا قال: اطلب حقك حتى تعجز فإذا عجزت فقل حسبي الله ونعم الوكيل، فإنما يقضى بينكم على حجتكم»[4]، وهذا دليل على أن التوكل لا يعني بحال من الأحوال ترك الأسباب، بل المرء مطالب بالسعي والاجتهاد في بلوغ مقاصده، فإن عجز فوض أمره لله عز وجل وجعله حسبه ووكيله.

ـ عن عمر رضي الله عنه قال: « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خصاما، وتروح بطانا»[5] ، والقصد هنا التوكل الحق الذي يقبع في القلب فلا يحوم حوله شك ولا ارتياب بأن الحق عز وجل خلق كل مخلوق في هذا الكون وقدر له رزقه، فلا ينبغي أن يكون ذلك على مستوى العلم فقط، وإنما يجب أن يكون اعتقادا راسخا، وحالا قلبيا لا يفارق العبد بأي حال من الأحوال، إذ الإيمان « ما وقر في القلب وصدقه العمل».[6]

ـ عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن من قلب ابن آدم، بكل واد شعبة، فمن تبع قلبه الشعب كلها، لم يبال الله بأي واد أهلكه، ومن توكل على الله كفاه التشعب . »[7]

فمن علامات إيمان العبد صدق توكله، وهو مقام سام لما يتطلبه من عدم ترك الأسباب امتثالا للأمر الإلهي، على أن يقر بقلبه وجوارحه أن الله عز وجل هو من يرزقه تلك الأسباب بإذنه، ويفعل ما يريد بمشيئته عز وجل، فمن توكل على الله كانت أسبابه ضياء له في دروب الحياة، سكن بها قلبه أفضل المنازل، منازل التفويض والتسليم، وفاضت على روحه أنوار الرضى والسكون.

الهوامش:

 


[1]  ـ السنن الكبرى للبيهقي، باب التمائم، رقم 19609 .

[2]  ـ صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب فضل من ترك الفواحش، رقم:6807

[3] ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، باب فضل من ترك الفواحش .

[4]  ـ السنن الكبرى، البيهقي، كتاب الشهادات، باب ما جاء في قول الله عز وجل: وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب، رقم 20724

[5]  ـ سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب  التوكل واليقين، رقم 4164 .

[6]  ـ المصنف، ابن أبي شيبة، كتاب الإيمان والرؤيا، رقم 30988

[7]  ـ سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، رقم 3166



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(6)

كان رجلاً صالحاً له ذوق، وفي كلامه ترويح للنفس وسَوْق إلى الشوق، يتكلّم على كرسيّ في الجوامع، ويقيّد المارقين بأغلالٍ وجوامع، وله إلمام بآثار السلف الصالح، وكلام الصوفية.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(5)

أحوال العبد أربع لا خامس لها، النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية. فإن كنت بالنعمة فمقتضى الحق منك الشكر، وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر، وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود منّته عليك فيها، وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(4)

كان جامعاً لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه وغيره، وكان متكلماً على طريقة أهل التصوّف.