شذور ذهبية

الفرق بين الحروف المنظومة والكلم المنظومة(2)

 

قال عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى مبينا الفرق بين الحروف المنظومة والكلم المنظومة:

ودليلٌ آخر وهو أنّه لو كان القصد بالنّظم إلى اللفظ نفسِه دون أن يكون الغرضُ ترتيبَ المعاني في النفس ثم النّطق بالألفاظ على حذوها لكان ينبغي أن لا يختلف حالُ اثنين في العلمِ بحسن النَّظم أو غيرِ الحسن فيه؛ لأنهما يُحسّان بتوالي الألفاظ في النُّطق إحساسًا واحدًا، ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئًا يجهلُه الآخر.

 وأوضح من هذا كله وهو أنَّ هذا النظم الذي يتواصفُه البلغاءُ وتتفاضل مراتب البلاغة من أجلِه صنعةٌ يُستعانُ عليها بالفكرةِ لا محالة. وإذا  كانت مما يُستعان عليه بالفكرة ويُستخرج بالرَّويّةِ فينبغي أن يُنظر في الفِكر بماذا تلبَّسَ: أبالمعاني؟ أم بالألفاظ؟ فأي شيءٍ وجدته الذي تلبّس به فكرُك من بين المعاني والألفاظِ فهو الذي تحدثُ فيه صنعتُك، وتقعُ فيه صياغَتُك ونظمُك وتصويرُك، فَمُحالٌ أن تتفكر في شيءٍ وأنت لا تصنعُ فيه شيئًا وإنما تصنعُ في غيره، لو جاز ذلك لجازَ أن يفكر البنَّاءُ في الغَزْل ليجعل فكرَهُ فيه وصلة إلى أن يُصْنَعَ من الآجُرّ، وهو من الإحالة  المفرطة.

فإن قيل: النظم موجودٌ في الألفاظ على كلّ حالٍ، ولا سبيل إلى أن يعقل الترتيب الذي تزعُمه في المعاني ما لم تنظم الألفاظ ولم ترتبها على الوجه الخاصِّ. قيل: إن هذا هو الذي يُعيد هذه الشُّبهة جذَعةً أبداً، والذي يَحُلُّه أن تنظُر: أتتصوَّرُ أن تكونَ مُعبرًا مفكرًا في حال اللَّفظ مع اللفظ حتى تضعه بجنبه، أو قبله، وأن تقول هذه اللفظة إنما صلُحت ههنا لكونِها على صفةِ كذا؟ أم لا يُعْقلُ إلا أن تقول: صلحت ههنا لأنّ معناها كذا، ولدلالتها على كذا؛ ولأنَّ معنى الكلام والغرض فيه يوجبُ كذا، ولأنَّ معنى ما قبلها يقْتضي معناها؟ فإن تصورت الأول فقل ما شئت واعلم أنَّ كل ما ذكرناه باطل، وإنْ لم تتصور إلا الثاني فلا تخدعنَّ نفسك بالأضاليل، ودع النظر إلى ظواهر الأمور، واعلم أن ما ترى أنه لا بدّ منه من ترتيب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص ليس هو الذي طلبته بالفكر، ولكنه شيء يقع بسبب الأول ضرورة من حيث إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أوّلاً في النفس وجب اللفظ الدال عليه أن يكون مثله أولاً في النطق، فأما أن تتصوَّر في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرًا في نظم الألفاظ، أو أن تحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجيء بالألفاظ على نسقها، فباطلٌ من الظن ووهم يتخيل إلى من لا يوفي النظر حقَّه. وكيف تكون مفكرًا في نظم الألفاظ وأنت لا تعقل لها أوصافًا وأحوالاً إذا عرفتها عرفتَ أنّ حقَّها أن تنظم على وجه كذا؟

 

دلائل الإعجاز،

الصفحة:98-99-100.

تحقيق: د/محمد رضوان الداية، د/فايز الداية

الطبعة الأولى

رجب الفرد 1428هـ

آب(أغسطس)2007م

دار الفكر بدمشق 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(3)

قد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها، وَقد تَتَبَّعتُ مَا استدركه فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه وَلم يُصبْ من وَجه.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(2)

رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِطَة أَكثر من ألف رجل، وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكره فِي حَدِيثه.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(1)

لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تلقّي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة.