معلمة دراس

أبو عبد الله محمد بن المدني جنون

إعداد: دة أسماء المصمودي

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل:


سيدي محمد بن المدني جنون، ولد المُتَرجم في حدود الأربعين بعد مائتين وألف بمدينة فاس، و بها نشأ وتعلم. ينحدر نسبه من أسرة أولاد جنون، أحد أبرز البيوتات العلمية العريقة بمدينة فاس، والثابت في نسب هذه الأسرة أنهم شرفاء حسنيون من نسل القاسم بن المولى إدريس الثاني باني مدينة فاس، كما أنهم ذوو صلة وثيقة بأبناء عمومتهم القاطنين بقبيلة بني مستارة. حجّ مع أبيه وهو ابن ثلاث سنين، وحجّ مرّة ثانية وهو ابن عشر سنين أو ما قاربها. تزود بثقافة عربية ودينية أصيلة، كان منها استظهاره المتقن لكتاب الله تعالى، مع الإلمام بأساليب تجويده وضبطه وما إلى ذلك من آدابه وشروطه. ثم اتجه بعد ذلك نحو طلب العلم وتحصيله، فكان طالبا نشيطا، موهوبا بطبيعته، ذا حماس متزايد، مندفعا نحو الدراسة، لا يصده عنها أي شغل من الشواغل، الشيء الذي أكسبه نجاحا بارزا، وجعله يجتاز مراحل تكوينه بخطى حثيثة، إلى أن غدا فقيها متمكنا، له مستوى عال من الكفاءة والاقتدار، فكان من أشهر علماء المغرب في عصره.

 أما شيوخه الذين أخذ عنهم فهم كثيرون، منهم بدر الدين الحمومي، والوليد العراقي، وعبد السلام بوغالب، وأبو بكر بن كيران، ومحمد صالح الرضوي، ومحمد بن عبد الرحمان الحجرتي، وأحمد المرنيسي، وأحمد بناني كلا، والقاضي المهدي بن الطالب بن سودة، وغيرهم. وكان رحمه الله آية في الصبر على المطالعة والتقييد والمراجعة بما لا يعهد لأهل عصره، إذ ربما جلس من الصباح إلى قرب الزوال، وقلّ أن تجد له كتابا إلا وعليه توقيفات مما يدلّ على أنه قد طالعه، وربّما تجد له عدة نسخ من الكتاب الواحد مما يقتضي تكرار النظر فيه. واختصّ مجلسه بالهيبة والوقار، وكان ينقل في مجالسه من الأحاديث والنصوص ما فيه مقنع للعموم والخصوص. قُلِّد الشيخ خطّة القضاء بمراكش سنة 1274هـ، ولم يقبل بها إلا بعد إستشارة شيخه فقيه المغرب محمد بن عبد الرحمن الحجرتي فأشار عليه بالقبول، وأوصاه بالعدل واتّباع الشريعة، وكانت مدّة توليته ثمانية أشهر ثم طلب الإعفاء، فرجع إلى بلده مشتغلا بالدرس الفقهي، فكانت له مجالس بالقرويين وغيرها، كما كان يخطب بجامع أبي الجنود بين فاس البالي وفاس الجديد. أخذ عنه الناس طبقة بعد طبقة، كالشيخ محمد بن إبراهيم السباعي، والفقيه أحمد جَسُّوس الرِّباطي، ومحمد بن قاسم القادري، والمهدي الوزاني، والعالم اللُّغوي محمد محمود التركزي الشنقيطي نزيل مصر، وغيرهم.

قال العلامة سيدي الحجوي عنه: "هو أحق من يقال في حقّه: مجدّد لكثرة المنافع به، وانتشار العلم عنه وعن تلاميذه، وقيامه بالنهي عن مناكر وقته … وما كان أحد يقدر على الرَّدّ عليه مع شدّة إغلاظه عليهم وعلى غيرهم وسلوكه في ذلك مسلك التشديد، بل التطرّف في بعض المسائل، ومع ذلك هابه علماء وقته ولم يجرؤوا على انتقاده، لأنه كان يتكلم بالحال لا المقال، وتحقّقوا خلوص نيته ومطابقة سرّه لعلانيته".

 

له تآليف كثيرة منها:

ـ اختصار حاشية الرهوني على شرح الزرقاني لمختصر الشيخ خليل.

ـ إيقاظ المفتون المغرور مما تذم عواقبه يوم النشور.

ـ التسلية والسلوان لمن ابتلي بالإذاية والبهتان.

ـ الدرة المكنونة في السنة الشريفة المصونة.

ـ الدرر الدرية المستنيرة بحديث لاعدوى ولا طيرة.

ـ نصيحة ذوي الأكياس في بعض ما يتعلق بخطة الناس.

ـ شرح سيرة ابن فارس اللغوي

ـ نصيحة أهل العلم فيما يتعلق بالفتوى والشهادة.

ـ كفاية المحتاج في حكم استعمال المحلى والديباج.

ـ الزجر والإقماع بزواجر الشرع المطاع لمن كان يومن بالله ورسوله وبيوم الاجتماع، عن آلات اللهو والسماع.

ـ اختصار رسالة أبي علي الفجيجي في طرق الأئمة الصوفية.

ـ تعليق على مختصر الرازي اللغوي في السيرة النبوية.

 ـ نزهة الألباب في ذكر النافع بالإجماع.

ـ رسالة في التحذير من الإقامة بأرض العدو.

 ـ رسالة في التحذير من إهانة العلماء.

وكثيرا ما ألف في البدع، وما نزلت نازلة مهمة إلا وقد خصها بتأليف، وقد طبع بعضها بفاس إلى غير ذلك من مؤلفات أخرى.

توفي  ليلة الجمعة أول يوم ذي الحجة على رأس المائة الثالثة عشرة، سنة 1302هـ، وهو ابن ثلاث وستين سنة، فحزن الناس كافة لفقده، ولم يتخلّف أحد من طبقات الناس عن حضور مشهده، ودُفن بالقباب خارج باب الفتوح، أسفل ضريح أبي المحاسن. وقد ألّف في ترجمته تلميذه الشيخ محمد بن الحاج مصطفى المشرفي كتابا سمّاه "الدرّ المكنون في التعريف بالشيخ كنون" وذكر فيه شرفه.

 

 

انظر ترجمته في: 

ـ شجرة النور الزكية، ج.1، ص.610

ـ  الفكر السامي، صص. 633  ـ 634

ـ  إتحاف المطالع، ج.1، ص. 288

ـ سلوة الأنفاس، ج.2، ص.412

ـ الأعلام، ج.7، ص.94

ـ  موسوعة أعلام المغرب ج.8 ، ص. 2763

ـ الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ج.7 ، ص. 54.

ـ فهرس الفهارس، ج.1، ص.498

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الفقيهة العالمة أم هانئ العبدوسية

فقيهة فاس الصالحة الأحوال، أخت الإمام الحافظ عبد الله العبدوسي، كانت فقيهة صالحة ذات علم وصلاح.

أبو عبد الله محمد بن سعيد السراج الرعيني (ت778هـ)

كان فقيهاً فاضلاً، مُحدِّثا صالحاً، حسن الخُلق مُتواضعاً، مُولعاً بالتّقييد والتصنيف، قلّ أن تراه إلا ناظراً في كتاب، أو مُقيّداً لفائدة.

سيدي إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر ابن أبي يحيى التسولي (ت بعد748هـ)

من صدور المغرب، له مشاركة في العلم، وتبحُّر في الفقه، ووجاهة عند الملوك. واستعمل في السّفارة. وكان حسن العهد، مليح المجالسة، أنيق المحاضرة، كريم الطبع، صحيح المذهب.