شذور ذهبية

الفرق بين الحروف المنظومة والكلم المنظومة(3)

 

 

قال عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى مبينا الفرق بين الحروف المنظومة والكلم المنظومة:

 

    ومما يلبسُ على الناظرِ في هذا الموضع ويغلطه أنه يستبعد أن يقال: هذا كلام قد نظمت معانيه. فالعرف كأنه لم يجرِ بذلك، إلاّ أنهم وإن كانوا لم يستعملوا النَّظم في المعاني قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظيرٌ له، وذلك قولهم: إنه يرتب المعاني في نفسِه وينزلها ويَبني بعضها على بَعض. كما يقولون: يرتبُ الفروعَ على الأُصول، ويتبعُ المعنى المعنى، ويُلحق النّظير بالنّظير. وإذا كنتَ تعلم أنهم استعاروا النَّسجَ والوَشْي والنَّقشَ والصياغة لنفسِ ما استعاروا له النَّظم، وكان لا يُشك في أن ذلك كله تشبيهٌ وتمثيلٌ يرجعُ إلى أمور وأوصاف تتعلق بالمعاني دون الألفاظ، فمن حَقّك أن تعلم أنّ سبيل النظم ذلكَ السبيل.

    واعلم أنَّ من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حَدًّا، وتجعلَ النُّكَت التي ذكرتها فيه على ذُكْرٍ منكَ أبدًا، فإنها عُمَدٌ وأصولٌ في هذا الباب، إذا أنت مكّنتها في نفسِكَ، وجدتَ الشُّبه تنزاحُ عنك، والشُّكوكَ تَنتفي عن قَلبك، ولا سيَّما ما ذكرتُ من أنه لا يُتصوَّر أن تعرف لِلَّفظ موضعًا من غير أن تعرفَ معناه. ولا أن تتوخَّى في الألفاظ من حيثُ هي ألفاظٌ ترتيبًا ونظمًا، وأنّك تتوخّى الترتيبَ في المعاني، وتُعمل الفِكر هناك، فإذا تمَّ لك ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها. وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتجْ إلى أن تستأنفَ فكرًا في ترتيب الألفاظِ، بل تجدُها تترتّب لك بحكم أنها خَدَمُ للمعاني، وتابعة لها ولاحقة بها، وأن العلم بمواقعِ المعاني في النَّفْس، علمٌ بمواقعِ الألفاظِ الدالة عليها في النُّطق.

 

دلائل الإعجاز،

الصفحة: 100.

تحقيق: د/محمد رضوان الداية، د/فايز الداية

الطبعة الأولى

رجب الفرد 1428هـ

آب(أغسطس)2007م

دار الفكر بدمشق 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في معرفة الضعفاء[4]

أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام.

في معرفة الضعفاء[3]

إن كثيرا من أحوال المحققين من الصوفية لا يفي بتمييز حقه من باطله علم الفروع، بل لا بد مع ذلك  من معرفة القواعد الأصولية، والتمييز بين الواجب والجائز والمستحيل العقلي والمستحيل العادي، فقد يكون المتميز في الفقه جاهلا بذلك حتى يعد المستحيلَ عادةً مستحيلا عقلا.

في معرفة الضعفاء[2]

لا تعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى فقد حصل مُعتمَدُ الرواية.