سلوكيات

مصطلح التوكل(3)

دة/أسماء المصمودي

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل

 

التوكل عند الصوفية :

لقد تمثل الصوفية رضوان الله عليهم المعنى السامي للتوكل، فعرفوه بتعاريف متكاملة تصب كلها في الأخذ بالأسباب مع تعلق القلب بالله عز وجل ومشيئته، على أن يستحضر الإنسان على الدوام أنه في دار الفناء لا دار البقاء، فنجد الإمام القشيري يعرفه قائلا: «فاعلم أن التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب، بعدما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره» .[1]

وقال أبو تراب النخشبي رحمه الله حين سئل عن التوكل: « التوكل طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر، وإن منع صبر راضيا موافقا للقدر. كما سئل ذو النون المصري رحمه الله عن التوكل فقال : «التوكل ترك تدبير النفس، والانخلاع من الحول والقوة» .

وقال أبو بكر الزقاق رحمه الله : «التوكل رد العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد».

وسئل رويم رحمه الله عن التوكل : فقال: « الثقة بالوعد ».

وسئل سهل بن عبد الله رحمه الله عن التوكل فقال : «الاسترسال مع الله تعالى على ما يريد، أي بطرح الاعتراض. »

وعرف الجنيد رحمه الله التوكل فقال: «اعتماد القلب على الله تعالى».

وجاء في تعريف القاشاني للتوكل قوله :« وصورته في البدايات : ترك الأفعال العادية الصادرة من الهوى بالتزام الأفعال المأمور بها .

وفي الأبواب : اعتقاد كون الحول والقوة على فعل الله .

وأصله في المعاملات : كلة الأمر إلى مالكه، والتعويل على وكالته .

ودرجته في الأخلاق : الحياء من التوكل لتحقق أن الأمر كله لله، فليس له من الأمر شيء حتى يكله إليه، ولا ملك له حتى يتخذ وكيلا في التصرف فيه، فيستحيي منه ويتواضع له مستعيذا به داعيا بقوله : " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها فأنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها "، ويرى أن الخلق الحسن من فضله تعالى ومنته، لا من كسبه وقوته .

وفي الأصول : الاتكال في القصد والعزم على توفيقه، والاعتماد عليه في تسييره وتسليكه .

وفي الأودية : الانسلاخ من عقله والتعويل على علمه تعالى وفضله .

وفي الأحوال : الانقياد بجذبه، والانغمار في حبه، والانخلاع من كسبه.

وفي الولايات : الفناء في أفعاله تعالى عن فعله لتحقيق أن الله متول أمره .

وفي الحقائق : شهود مالكيته تعالى، وقادريته، وعجز الكل عن قيامه بعبوديته لأصالة عدميته .

وفي النهايات : القيام بالله في كل الأمور لا بنفسه. »[2]

 وعرفه ابن عجيبة قائلا: « التوكل ثقة القلب بالله حتى لا يعتمد على شيء سواه، والتعلق بالله والتعويل عليه في كل شيء علما بأنه عالم بكل شيء. أو أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، فأدنى أن تكون مع الله كالموكل مع الوكيل الشفيق الملاطف، ووسطه كالطفل مع أمه لا يرجع في جميع أموره إلا إليها، وأعلاه أن تكون كالميت مع الغاسل، فالأول للعامة، والثاني للخاصة، والثالث لخاصة الخاصة . فالأول قد يخطر بباله تهمة، والثاني لا اتهام له، لكن يتعلق بأمه عند الخاصة، والثالث لا اتهام له لأنه فان عن نفسه، ينظر كل ساعة ما يفعل الله به»[3]. اعتمد سيدي ابن عجيبة في تعريف التوكل على تشبيهات بغرض التسهيل والتقريب، فجعل توكل العامة مقرونا بما هو شبيه لها في معاملاتنا الدنيوية ـ علاقة الموكل بوكيله الذي يتحلى بالشفقة واللطف، وهذا أقل درجات التوكل، وتزيد عليه درجة الخاصة التي شبهها بعلاقة الأم برضيعها الذي لا حياة له بدونها، فلا حياة للعبد المتوكل بدون يقين في وكيله، أما توكل خاصة الخاصة فشبهه بالميت بين يدي غاسله والذي لا يملك حولا ولا قوة ولا إرادة، وهذه أعلى درجات التوكل، حيث لا تكتمل إلا باجتماع  مقامات أخر من تسليم وتفويض ورضا، ومن أوتي جماعها فقد أوتي الخير الكثير .

 

الهوامش


[1]  ـ  الرسالة القشيرية، ص.295

[2] ـ  اصطلاحات الصوفية، ص.112ـ 113

[3] ـ  معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص.30ـ31    



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(12)

خلو القلب من التعلقات دليل على وصاله برب العباد.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(11)

انبنى منهج ابن عباد في شرحه للحكم على تفسير المراد من القول؛ إذ غالبا ما يَسْنُد شرحه بالاستشهاد بالآيات و الأحاديث، وغالبا ما تتلخص مقصديته في البعد التذكيري وكذا التربوي، حتى يكون شرحه معزِّزا لمقاصد الحكم.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(10)

كلام الأولياء والعلماء بالله منطو على أسرار مصونة، وجواهر حكم مكنونة، لا يكشفها إلا هم، ولا نتبين حقائقها إلا بالتلقي عنهم.