شذور ذهبية

الفرق بين الحروف المنظومة والكلم المنظومة(4)

 

 

قال عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى مبينا الفرق بين الحروف المنظومة والكلم المنظومة:

فصل في أن النظم هو تعليق الكلم بعضها ببعض.

واعلم أنّك إذا رجعت إلى نفسِك علمتَ علمًا لا يعترضُه الشك أنْ لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يُعلَّق بعضها ببعض ويُبْنى بعضُها على بَعض. وتُجعلَ هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يجهلَهُ عاقلٌ ولا يخفى على أحدٍ من النّاس. وإذا كان كذلك فَبنا أن ننظر إلى التَّعليق فيها والبناءِ وجعلِ الواحدة منها بسببٍ من صاحِبَتها ما معناهُ وما محصوله. وإذا نظرنا في ذلك علمْنا أنْ لا محصول لها غيرُ أن تعمد إلى اسمٍ فتجعلهُ فاعلاً لفعلٍ أو مفعولاً، أو تعمدَ إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرًا عن الآخر، أو تُتبع الاسم اسمًا على أن يكون الثاني صفةً للأول، أو تأكيدًا له، أو بدلاً منه أو تجيء باسم بعد تمام كلامِكَ على أن يَكون الثّاني صفةً، أو حالاً، أو تمييزًا، أو تتوخّى في كلامٍ هو لإثبات معنًى أن يصير نفيًا أو استفهامًا أو تمنيًا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرْطًا في الآخر فتجيء بهما بعد الحرف الموضوعِ لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضُمِّنت معنى ذلك الحرف وعلى هذا القياس.

 وإذا كان لا يكونُ في الكلم نظمٌ ولا ترتيبٌ إلا بأنْ يُصنع بها هذا الصنيع ونحوه، وكان ذلك كلُّه مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء، ومما لا يُتصوَّرُ أن يكون فيه ومن صفته، بَان بذلك أنَّ الأمر على ما قُلناه من أنَّ اللفظَ تبعٌ للمعنى في النَّظم، وأنَّ الكلمَ تترتّبُ في النُّطقِ بسببِ ترتُّب معانيه في النَّفس، وأنّها لو خَلَتْ [الألفاظ] من معانيها حتى تتجرّد أصواتًا وأصداءَ حروفٍ لما وقَع في ضميرٍ ولا هَجَس في خاطرٍ أن يجب فيها ترتيبٌ ونظم، وأن يُجعل لها أمكنةٌ ومنازل، وأنْ يجب النُّطق بهذه قبل النُّطق بتلك. والله الموفّقُ للصَّواب.

 

 

دلائل الإعجاز،

الصفحة: 101-102.

تحقيق: د/محمد رضوان الداية، د/فايز الداية

الطبعة الأولى

رجب الفرد 1428هـ

آب(أغسطس)2007م

دار الفكر بدمشق



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ذكر معرفة النفس [3]

لم يبعد أن يخلق الباري سبحانه الجنة والنار وهو الخلق الأعظم، ثم خلق السموات والأرض بما فيهن وبينهن، وهو الخلق الأوسط وخلق الإنسان آخراً، وخاتمة بعد تمام المخلوقات كلها، وهو الخلق الأصغر.

ذكر معرفة النفس [2]

إذا رأى العبد ما هو عليه من الخروج من حالة عدم إلى حالة وجود، والانتقال من صفة إلى صفة، والاختصاص بحالة دون حالة، بالمزايا الشريفة من العلم والنطق والتدبير والحياة والقدرة، علم أنه موجود لموجد قادر.

ذكر معرفة النفس [1]

معرفة العبد نفسه من أوْلَى ما عليه وأوْكَده؛ إذ لا يعرف ربه إلاَّ من عرف نفسه