أشعريات

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]1

إعداد:

د/ عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

د/ مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

قال الناظم رحمه الله:

يجب لله الوجــود والـقدم        كذا البقاء والغنى المطلق عــم

وخلفه لخلقه بلا مثـــــال        ووحدة الذات ووصف والفعـال

وقدرة إرادة علم حيـــــاة        سمع كلام بصر ذي واجبـــات

قال الشارح رحمه الله:

(يجب لله)؛ اللام للاختصاص، أي يجب وجوبا مختصا بالله تعالى ثلاث عشرة صفة على ما اقتصر عليه الناظم.

 الأولى: (الوجود)، قيل هو بديهي فلا حاجة إلى تعريفه، وقيل تصور حقيقته عسير فلا يعرف، والقولان أيضا في العدم والعلم والخبر، فهي أربعة ذكرها ابن السبكي، والحق في كل منها أنه نظري غير عسير، وعليه فاختلف في تحقيق معنى الوجود على أقوال ستة ذكرها (يس) في حواشي شرح الصغرى، ومختار المحققين منها أنه صفة نفسية للذات، والصفة النفسية للشيء هي الحال اللازمة له ما دام متحققا في الخارج لا من أجل قيام معنى به، كالتحيز للجِرْمِ، واللونية للسواد، والقيام بالمحل للعرض، والتعلق بالمعلوم للعلم، والحال عندهم ليست موجودة في نفسها ولا معدومة، واحترزنا بقولنا لا من أجل قيام معنى به من الحال المعنوية، ككون الذات عالمة أو مريدة أو قادرة، فإن ثبوت هذا الكون للذات معلل بقيام العلم أو الإرادة أو القدرة بها كما يأتي تحقيقه بعدُ إن شاء الله.

فالحال عند مثبتيها قسمان معنوية ونفسية ومنها الوجود، فيكون حالا لازما للذات زائدا عليها لا نفسها. وما نسبوه  للأشعري وغيره من أن الوجود عين الموجود لا زائد عليه ليس المراد به أن مفهوم الوجود والموجود شيء واحد، فإنه ظاهر البطلان؛ إذ الوجود معنى مصدري، وهو حالة الشيء المقابلة لعدمه، والموجود هو ذو تلك الحالة أي موصوفها ومحلها القائمة هي به كما تقتضيه قاعدة اللغة من الفرق بين معنى المشتق منه والمشتق، وهذا المشتق هنا أعني لفظ موجود وإن كان بلفظ اسم المفعول هو بمعنى اسم الفاعل، فصار الفرق بين معنى الوجود والموجود كالفرق بين معنى القيام والقائم، والقعود والقاعد، والبياض والأبيض، والسواد والأسود، فَأنَّى يتطرق إلى ذلك الإمام الجليل وأمثاله احتمالُ توهم اتحادهما الذي لا يخفى بطلانه على من له أدنى تمييز، ويوضحه صحة الإضافة بلا نزاع في قولنا مثلا: وجود زيد جائز، ولو كان الوجود هو ذات زيد الموجود لامتنعت الإضافة لامتناع إضافة الشيء إلى نفسه، وإنما المراد بذلك المنقول عن الأشعري وغيره من أن وجود الشيء عينه لا زائد عليه الرد على أكثر المعتزلة إذ قالوا المعدوم الممكن قبل وجوده شيء وذات ومتقرر في نفسه في الخارج، إلا أن الممكنات قبل أن تُكسى نور الوجود كأشياء مخبوءة في بيت مظلم، ثم يفيض الله على ما يشاء منها نور الوجود فيبرز للعيان، فللذوات الموجودة عندهم تقرر قبل الوجود، والفاعل المختار عندهم إنما فعل الوجود لا الذوات. قال البدر الزركشي: وهذا القول يجر بهم إلى القول بقدم العالم.

 وحيث كان الوجود عندهم عارضا لذوات الحوادث بعد تقررها في الخارج أطلقوا أن الوجود زائد على ذات الموجود في الحادث والقديم وإن لم يصح [تقدم] ذات القديم على وجوده؛ لأن الزيادة بحسب التعقل حاصلة، والأشعري وغيره أرادوا الرد عليهم فقالوا وجود الشيء عينه، أي به تحققت عينه في الخارج، فلا عين له فيه دونه، ولولاه لم يكن شيئا ولا ذاتا  ولا ثابتا في الحادث والقديم، فلزم أن يكون الفاعل المختار فاعلا لذوات الحوادث ووجوداتها جميعا لا لوجوداتها فقط، وهذا معنى الخلاف في أن المعدوم شيء أو لا، وأن مذهب أهل الحق أنه ليس بشيء، وإذا كان مراد الأشعري وغيره بالعينية ما ذكر من نفي تقرر الذات في الخارج بدونه، فهم لا يمنعون زيادة الوجود على الذات من حيث هي، بمعنى أن للعقل أن يلاحظ  الذات مع قطع النظر عن الوجود وبالعكس، ولهذا قال الإمام الرازي وغيره من أئمة السنة القائلين بأنه ليس للذات تقرر في الخارج بدون الوجود، أن الوجود زائد، فلا يكون قولهم مخالفا لما قاله الأشعري في المعنى؛ لأن ما أثبتوه من زيادته ليس بمعنى ما نفاه الأشعري منها، فلم يتوارد الإثبات والنفي على محل واحد، بل الأشعري نفسه يثبت زيادته على الذات، بمعنى أنه حال لها، وينفي زيادته عليها، على معنى أن لها تقررا بدونه، ولا تناقض في ذلك، وهذا التحقيق هو المأخوذ من كلام السعد والتاج السبكي وغيرهما فعليك به، وبه يظهر لك أن قول السنوسي في شرح صغراه أن في عَدِّ الوجود صفة على مذهب الأشعري تسامحا؛ لأنه عنده عين الذات معكوس، بل في قول الأشعري أنه عين الذات تسامح، لأنه عنده زائد عليها، وإنما  دعاه إلى ذلك التسامح إبرازالعقيدة المناقضة للاعتزال قصدا إلى رده كما مر. وأما تفصيل من فصل بين وجود القديم فقال هو عين الذات وغيره فزائد عليها، وهو ما نقله في  شرح الصغرى عن الفلاسفة، فهو اعتراف بأن ذات الواجب لا تقرر لها لولا الوجود، جلت الذات العلية وصفاتها عن ذلك بخلاف الممكن، وأما الممتنع فلا تقرر له أصلا اتفاقا، قاله الكمال.

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص 44 ـ 45 .

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]12

(وحدة الذات) العلية، أي عدم تركبها من أجزاء المسمى بالكم المتصل، وعدم وجود ذات أخرى تماثلها ويسمى الكم المنفصل، فالوحدة عدم الكم مطلقا وليس المراد أن الذات العلية بلغت من الدقة إلى حد لا يمكن قسمه فتكون جوهرا فردا تعالى الله عن ذلك.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (7)

من منهجه الإكثار من التصويبات، فهو لا يكتفي بمجرد التنبيه إلى الإطلاقات الفاسدة الجارية على ألسنة الناس، بل يتعدّى ذلك إلى ذكر الإطلاقات الشرعية الصحيحة والبديلة لها.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (5)

لا يُبادر أبو علي السكونيّ إلى الحكم على النازلة إلا بعد تصوّرها، فغير خافٍ  عليه أن الحكم على الشيء فرع عنه تصوّره، لذلك تجده ينقل بأمانة مختلف الإطلاقات الفاسدة كما وردت على لسان قائلها ولو كانت غير فصيحة ميّالة إلى الدارجة.