سلوكيات

مفهوم التدين[1]

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

 

لعل اصطلاح الدين أو التدين قد بلغ من الوضوح والظهور المفهومي في التداول الفكري العام والخاص، ما يجعل الاستفهام عن دلالته من قبيل بيان الواضحات، الذي لا يخلو من التكلف، إذ لا يتحصل به علم ولا يندرئ به جهل، ومع ذلك فإن للمصطلح أبعادا تداولية واسعة تستحث النظر، وتحيي داعية الاستشكال من جديد، مما يجعل مسألة الوضوح والبداهة من الأمور النسبية أو الإضافية، وأن أمر التدين بقدر ما يستدعي لدى الناظر استحضار معنى الاجتهاد في الاتصاف بحقائق الدين و النزول في مراتبه، إذ هو مسماه ونعته، فإنه يقتضي كذلك اجتهادا في فهم حقيقته، وتعقب أحواله، وتبين أطواره ومراتبه، وإذ ذاك تنكشف للناظر حقائق عن التدين، بها يهتدي إلى استخلاص المبادئ والمعايير والمسالك المفيدة في تقويم التدين أصلا، ومقصدا، ووسيلة.

وإذا كان من المقرر مفهوميا أن الدين إجمالا هو عبارة عن «وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه، إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل، وهذا يشمل العقائد والأعمال»([1])، فإن التدين إذا أطلق في سياق النظر والاستشكال، يراد به صفة كل اجتهاد يكون مسعاه تحصيل الاتصاف بالدين، باعتباره حقائق «أحكامية» و«حِكَمِية» منزلة من لدن الحكيم الخبير، بوساطة أنبيائه ورسله.

ومن ثم فمبنى الدين وأساسه على بيان وتقرير تبعية المخلوق للخالق اعتقادا واشتغالا، إذ التبعية الاعتقادية تقتضي من المكلف المخاطب بالدين التصديقَ بما دل عليه من قضايا وأخبار، مثلما تستوجب التبعية الاشتغالية منه العملَ بما تقرره مضامينه من قيم وأحكام.

الهوامش:

 


([1])كشاف اصطلاحات الفنون، لمحمد بن علي الفاروقي الحنفي التهانوي، ص: 814، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، تحقيق: د. علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، الطبعة الأولى: 1996م. ويضيف التهانوي قائلا: «ويطلق علىكل ملّة كل نبي. وقد يخصّ بالإسلام كما قال الله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (...).ويضاف إلى الله تعالى لصدوره عنه، وإلى النبي ﷺ لظهوره منه، وإلى الأمة لتدينهم وانقيادهم». نفسه، ص: 814.وهناك تعريفات أخرى للدين مقاربة لاصطلاح التهانوي منها تعريف ابن مسكويه: «إن الدين وضع إلهي يسوق الناس باختيارهم إلى السعادة القصوى». تهذيب الأخلاق، ص: 118، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(6)

كان رجلاً صالحاً له ذوق، وفي كلامه ترويح للنفس وسَوْق إلى الشوق، يتكلّم على كرسيّ في الجوامع، ويقيّد المارقين بأغلالٍ وجوامع، وله إلمام بآثار السلف الصالح، وكلام الصوفية.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(5)

أحوال العبد أربع لا خامس لها، النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية. فإن كنت بالنعمة فمقتضى الحق منك الشكر، وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر، وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود منّته عليك فيها، وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(4)

كان جامعاً لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه وغيره، وكان متكلماً على طريقة أهل التصوّف.