مالكيات

سيدي محمد المهدي الوزاني تميز وتمكن في فقه النوازل[1]

دة/ أمينة مزيغة

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل


نبغ الفقهاء المغاربة في فقه النوازل، ولعل ما خلفوه من مؤلفات ومصنفات وموسوعات في هذا الفن، ظل وسيظل شاهدا على ما بذلوه من جهد في إيجاد أحكام لوقائعهم ونوازلهم، ولا غرابة في ذلك "فالمغاربة أهل فقه، وأمة علم نظرا وعملا، وأنهم لم يبدعوا في أمر كما أبدعوا في هذا الشأن، إذ دواوين الفقه والفتاوى والنوازل أكثر من دواوين الأدب والشعر وغيرهما من الفنون."[2]، يقول العلامة علال الفاسي رحمه الله: "إننا لسنا أمة بدون قانون، ولكننا أمة غنية بشريعة هائلة أعجزت الإنس والجن عن أن يأتوا بمثلها (...) ولم تظهر عبقريتنا في شيء كما ظهرت في الدراسات الفقهية، والتطبيقات المحكمة على النوازل، والقضايا الطارئة"[3]

وقد أسهمت كثرة التآليف في فقه النوازل في خلق نهضة اجتهادية، خاصة بعد أن أولاها العلماء والفقهاء قسطا كبيرا، وحظا وافرا من العناية والتمحيص، والدراسة و التحقيق، فعملوا على إمعان النظر فيها، وبذلوا مجهودا في استجلاء حكم ما يرد عليهم ويعرض لهم من النوازل والقضايا المستجدة مع توالي الأيام.

ومن ثم كتب في فقه النوازل علماء كثيرون، وفقهاء جهابذة عديدون، "ألفوا فيه مؤلفات جليلة، وتركوها تراثا علميا ضخما، وعطاءً فقهيا هاما ممنهجا، يتضمن ذكر النازلة الاجتماعية وعرضها وبسطها في بابها، بعد استقصاء البحث عن الحكم الشرعي فيها، من خلال رجوعهم إلى أصول التشريع الإسلامي ومصادره المتعددة، وإلى كتب الفقه ومدوناته الكثيرة، وما احتوته واشتملت عليه من أقوال الأئمة ونصوص الفقهاء المتمكنين، والعلماء المتضلعين في الفقه الإسلامي وأصوله، وفروعه وجزئياته، حرصا منهم على توخي الحق والحقيقة، والوصول إلى الصواب في النازلة فيما يذكرونه ويحررونه من فقه النازلة والفتوى فيها"[4].

"لقد التزم المغاربة منذ القرن الثاني والثالث للهجرة بتطبيق مذهب الإمام مالك، فهم إذن مالكيون منطلقا، وبذلك اختصوا أيضا بالتزام وترجيح عمل أهل المدينة منذ البداية، فجعلهم هذا الاتجاه يتفقون مع أهل المدينة مبدئيا، وقد يختلفون معه أحيانا أخرى لتنوع واختلاف أحوال المجتمع في بلاد المغرب والأندلس عما كان موجودا في بلاد الحجاز والجهات التي التزمت بالمذهب المالكي(...)، فاختلاف البيئة والمكان وتنوع المجتمعات يؤدي إلى اختلافات بيئية ومحلية وبالتالي حدوث أقضية متباينة، ولكن القياس على مثيلاتها وشبيهاتها يعطي توافقا في قابلية تطبيق الأحكام والآراء السائدة فيها. والمهم في كل ذلك هو تحقيق المناط الشرعي وتوافقه مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي التزمت كل أصول الفقه المالكي وطرق استدلالاته واستنباطاته ومن بينها، العمل بعمل أهل المدينة وجلب المنفعة ودرء المفسدة، ولا ضرر ولا ضرار، والتزام تطبيق المصالح المرسلة وغير ذلك".[5]

 

الهوامش:

 


[1]- أنظر سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر بمدينة فاس للشريف أبي عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني، تحقيق عبد الله الكامل، وحمزة بن محمد الطيب الكتاني، ومحمد بن حمزة بن علي الكتاني، دار الثقافة، مؤسسة للنشر والتوزيع، 3/47.  شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد مخلوف، دار الكتب العلمية لبنان، ط/1، 2000م - 1464هـ، 1/473 رقم1298، والأعلام لخير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، لبنان، ط17-2007،7/112، وسل النصال للنضال بالأشياخ وأهل الكمال فهرس الشيوخ لعبد الإسلام بن عبد القادر بن سودة ، تنسيق وتحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ص 29 و ما بعدها، الإعلام للمراكشي7/91. إتحاف المطالع لابن سودة 1/321.  الفكر السامي للحجوي2/635.

[2]- أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي، د محمد رياض،ط/ 3، 1423- 2002، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء: ص 159.

[3]- دفاعا عن الشريعة للعلامة علال الفاسي، مطبعة الرسالة، ص 220.

[4]- انظر مقدمة "النوازل الصغرى" المسماة بالمنح السامية في النوازل الفقهية، لسيدي محمد المهدي الوزاني، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ص:3.

[5]- تحفة أكياس الناس بشرح عمليات فاس، لسيدي محمد المهدي الوزاني الفاسي، تقديم ذ. هاشم العلوي القاسمي، 1422هـ/2001 انظر مقدمة الكتاب ص 11 و ما بعدها.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[6]

إنكار الهلالي على أهل فاس العمل بعدم رد الدواب بالعيب بعد شهر غير سديد، إذ لا يلزم من عدم اطلاعه هو على المستند أن لا يكون للعمل المذكور مستند

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[5]

المستفاد من بحوث الفقهاء في الموضوع أن تقييد الرد بالعيب في الدواب خاصة بالمدة المذكورة لوحظت فيه معنى الحفاظ على استقرار المعاملات بحسم مادة النزاع والتقليل من أسباب التشغيب وقطع الطريق على احتيال النخاسين.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[4]

اشتراط حضور المدين وإقراره هو القول المشهور في المذهب، لكن جرى العمل بمقابله أي جواز البيع دون حضور المدين ولا إقراره، وذلك إذا كان الرهن محوزا والدين ثابتا.