أشعريات

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]2

إعداد:

د/ عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

د/ مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

قال الناظم رحمه الله:

يجب لله الوجــود والـقدم        كذا البقاء والغنى المطلق عـــــم

وخلفه لخلقه بلا مثـــــال        ووحدة الذات ووصف والفعـال

وقدرة إرادة علم حيـــــاة        سمع كلام بصر ذي واجبـــات

قال الشارح رحمه الله:

واعلم أن الشيخ الأشعري ذهب إلى أن لفظ الوجود باعتبار إطلاقه في حق القديم والحادث مشترك كعين، فليس هناك وجود مطلق يكون الوجود القديم والحادث فردين له على سبيل التشكيك أو التواطئ كما قيل بذلك، بل الوجود عنده في حق القديم مباين للوجود في حق الحادث، ويؤيده تباينهما في اللوازم التي لا تحصى، فمنها أن وجوده تعالى هو الذي لا ابتدء له ولا انتهاء، ووجودُ غَيْرِهِ مسبوق بالعدم ويلحقه العدم، ومنها أن وجوده تعالى هو الواجب عقلا ونقلا الذي يستحيل انتفاؤه، ووجودُ غَيْرِهِ جائز لا يلزم من انتفائه  محال أصلا. ومِنها أن وجوده تعالى هو الذي لا يفتقر إلى مستند أصلا، ووجود غيره مستند إلى قدرته تعالى وإرادته ابتداء، وكذا دواما على الصحيح، فلولا إنعامه على المكوَّنات بإيجادها لم توجد، ولولا إنعامه عليها بإمدادها في كل لحظة لاضمحل وجودها؛ لأنها تقبل العدم في كل لحظة. قال في الحكم: (نعمتان ما خرج موجود عنهما، ولا بد لكل مكوَّن منهما، نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم عليك أوّلا بالإيجاد، و ثانيا بتوالي الإمداد). وهذا المعنى أعني كون الأكوان مسبوقة بالعدم ويلحقها العدم، ويجوز عليها في كل لحظة من أزمنة وجودها العدم، ويحتاج مع ذلك إلى التدعيم بقدرة بارئها، هو الذي ينبغي أن تحمل عليه آية: (كل شيء هالك إلا وجهه)[ سورة القصص، الآية: 88] ، أي هالك هلاكا مستمرا في جميع الأزمنة حقيقة قبل وجوده وبعد فنائه، وحكما حالَ وجوده، و"شيء" على هذا عام لكل مخلوق، وأما لو حُمل "هالك" على الفناء بعد الوجود فيحتاج إلى استثناء الأمور السبعة التي لا تفنى، وهي المجموعة في هذين البيتين :

سبع من المخلوق غير فانية  ****  العرش والكرسي ثم الهاوية

وقلم واللـــــــــوح والأرواح  ****  وجنة في ظلها نرتــــــــــاح

 

وهو الذي ينبغي أيضا أن يحمل عليه حديث: (أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)[أخرجه البخاري في صحيحه ،كتاب مناقب الأنصار باب: أيام الجاهلية، رقم:6147]، أي باطل على سبيل الاستمرار في الأزمنة الثلاثة كما قررناه في الآية، وإلى هذا المعنى يشير قول القائل:

 

الله قل وذر الوجود وما حـــــوى  ****    إن كنت مرتادا بلوغ كمــــال

فالكل دون الله إن حققتــــــــــه   ****     عدم على التفصيل والإجمــال

واعلم بأنك والعوالم كلـــــــــها   ****     لولاه في محو وفي اضمحـلال

من لا وجود لذاته من ذاتـــــــه     ****     فوجوده لَوْلاَهُ عين محـــــال

فالعارفون فنوا ولما يشهــــــدوا      ****   شيئا سوى المتكبر المتعـــــال

ورأوا  سواه على الحقيقة هالكـــا    ****    في الحال والماضي والاستقبال

فالْمَح بعقلك أو بطرفك هل ترى   ****  شيئا سوى فـــــعل من الأفعــال

وانظر إلى أعلا الوجود وسفلـــه   ****  نظرا تؤيـــــده بالاستــــــدلال

تجد الجميع يشير نحو جلالـــــه  ****  بلسان حال أو لسان مقــــــــال

هو ممسك الأشياء من علو إلـــى  ****  سفل ومبدعها بغير مثــــــــال

وهي طويلة، وإليه أيضا يشير القائل:

فإذا نظرت  بعين عقلك لم تجــــد  **** شيئا سواه على الذوات مصورا

وإذا طلبت حقيقة من غـــــــيره  **** فبذيل جهلك لا تزال معثــــرا

والقائل:

الله ربي لا أريد ســــــواه   **** هل في الوجود الحــق إلا الله

ذات الإله بها قِوام ذواتنــا  **** هل كان يوجد غيره  لــولاه

 

 

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 هـ على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص 45 ـ 46.

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]4

 وجمال الحضرة في غاية الإشراق مع استغراقه ودوامه، إذ لم تشذ عن ظهوره ذرة من العالم في وقت ما، والشيء يتميز بظهور ضده، فنور الشمس وضح بنسخ الظلام له، ولولا غيبوبته لظن الظان أنه ليس ثم إلا الأجسام والألوان، فلما غاب الضوء وخفيت الأجسام والألون علمنا أن ظهورها كان به، فبان وجوده بعدمه، ولا ضد لجمال الحضرة يميزه على هذا المنوال.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]3

وجوده تعالى في القلوب نُورٌ وأُنْسٌ وعز وغنى، ووجود الأغيار فيها ظلمة ووحشة وذل وفقر. قال في الحكم: (كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته).

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]1

المراد بذلك المنقول عن الأشعري وغيره من أن وجود الشيء عينه لا زائد عليه الرد على أكثر المعتزلة إذ قالوا المعدوم الممكن قبل وجوده شيء وذات ومتقرر في نفسه في الخارج، إلا أن الممكنات قبل أن تُكسى نور الوجود كأشياء مخبوءة في بيت مظلم، ثم يفيض الله على ما يشاء منها نور الوجود فيبرز للعيان، فللذوات الموجودة عندهم تقرر قبل الوجود، والفاعل المختار عندهم إنما فعل الوجود لا الذوات. قال البدر الزركشي: وهذا القول يجر بهم إلى القول بقدم العالم.