بحث و حوار

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[2]

د/ علي البودخاني

أستاذ بكلية الشريعة بفاس 

2-1- تعريف الأخلاق اصطلاحا.

الأخلاق صفة نفسية مكنونة راسخة تصدر عنها الأفعال دون قصد وتكلف، وهي أما جبلية في نفس صاحبها، وهي الناشئة في الغرائز: كمن يولد وخلقه الكرم والبأس، أو مستفادة من تدريب الإرادة في عمل ما، وهي الناشئة عن العادة كمن اعتاد التحلم حتى صار حليما، والبذل حتى أمسى كريما، أو مكتسبة مما يحيط بالمرء: كالمشاهد الطبيعية والمجتمع، فإن صدرت الأفعال من امرئ قصدا وتكلفا فليس ذا خلق، وإنما هو متخلق كأن يفعل المكرمات ابتغاء الشهرة، أو يتصنع الحِلم والتواضع لينال الحمد والثناء[1].

وهي غرائز كامنة تظهر بالاختيار وتقهر بالاضطرار[2].

وعرفها حجة الإسلام الغزالي بأنها عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا[3].

ويمكن أن نقيس مستوى الخلق النفسي عن طريق قياس آثاره في سلوك الإنسان. فالصفة الخلقية المستقرة في النفس إذا كانت حميدة كانت آثارها حميدة، وإذا كانت ذميمة كانت آثارها ذميمة، وعلى قدر قيمة الخلق في النفس تكون بحسب العادة – آثاره في السلوك، إلا أن توجد أسباب معوقة أو صوارف صادة عن ظهور آثار الخلق في السلوك.

وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق، بل منها غرائز ودوافع لا صلة لها بالخلق، ولكن الذي يفصل الأخلاق ويميزها عن جنس هذه الصفات كون آثارها في السلوك قابلة للحمد أو الذم، فبذلك يتميز الخلق عن الغريزة ذات المطالب المكافئة لحاجات الإنسان الفطرية[4].

وكنتيجة للتعريفين السابقين نخلص إلى أن الأخلاق جملة من الصفات الحميدة الفاضلة التي تأمر الشريعة بالتحلي بها، وجملة من الصفات القبيحة الرذيلة التي تأمر الشريعة بالتخلي عنها، وهي تعتبر ضوابط للسلوك البشري لأنها في حقيقتها معان وقيم معينة تستقر في النفوس وفي ضوئها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه، يباشره أو يتركه، وعلى هذا فإن أفعال الإنسان ما هي إلا مظاهر أو فروع أو ثمار لما هو مستقر في نفسه من معاني الأخلاق، فإن صلح ما في نفسه صلح عمله وإن فسد ما في نفسه فسد عمله، فليست أعمال الإنسان مقطوعة الصلة عما في قرارة نفسه، وإنما هي موصولة به كما أن فروع الشجرة وثمارها موصولة بأصلها المغيب في التراب.

وعلى هذا فليس في اهتمام الشريعة بالأخلاق مبالغة أو إسراف وإنما اهتمام في محله وإعطاء الأخلاق ما تستحقه من رعاية واعتبار، وحرص على إصلاح الإنسان ابتداء من داخله.

الهوامش: 

 


[1]  - الخلق الكامل لمحمد أحمد جاد المولى بك ج 1/24. الطبعة الثانية سنة: 1385هـ/1965م. مكتبة ومطبعة: محمد علي صبيح وأولاده.

[2]  - موسوعة نظرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول صلى الله عيه وسلم. إعداد: مجموعة من المختصين ج1/59. الطبعة الثانية سنة: 1419هـ/1999م جدة المملكة العربية السعودية.

[3]  - إحياء علوم الدين ج3/53. دار المعرفة بيروت.

[4]  - الأخلاق الإسلامية وأسسها لعبيد الرحمان حنبكة الميداني ج1/11. الطبعة الثالثة سنة: 1413هـ/1992م دار القلم بيروت.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[6]

الملاحظ في أصول العقيدة أن الأمانة من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام، لأنها شرط أساسي لاصطفائهم بالرسالة، فلولا أن يكونوا أمناء لما استأمنهم الله على رسالاته لخلقه.

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[5]

كان بناء المجتمع في الإسلام قائما على محاربة الظنون ونبذ الإشاعات واطِّراح الريب فإن الحقائق الراسخة وحدها هي التي يجب أن تظهر وتغلب، وأن تعتمد في إقرار العلاقات المختلفة.

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[4]

الإيثار من الصفات الكريمة التي يتحلى بها الإنسان، إذ هو تفضيل الغير على النفس في الخير وهو شعار النفوس الكريمة الساعية لخدمة الإنسان.