سلوكيات

مفهوم التدين[2]

 

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

 

إذا كان الدين على الوصف المشار إليه سابقا، فإن الإنسان في مقام التدين إنما خوطب بالدين؛ «لينفعل به في حياته انفعالا إراديا، فيصدق بما جاء به من بيان في شرح حقيقة الوجود، ومن ذلك معتقده، ويجري سلوكه على حسب ما جاءت به تعاليمه العملية، ومن ذلك يكون شرعه في واقع حياته، وهذا الانفعال بالدين، تصديقا عقليا وسلوكا عمليا، هو التدين، على معنى أنه تحمل الدين واتخاذه شرعة ومنهاجا، فالدين إذن هو التعاليم الإلهية التي خوطب بها الإنسان على وجه التكليف، والتدين هو الكسب الإنساني في الاستجابة لتلك التعاليم، وتكييف الحياة بحسبها في التصور والسلوك، وبحسب هذا التعريف فإن حقيقة الدين تختلف عن حقيقة التدين، إذ الدين هو ذات التعاليم التي هي شرع إلهي، والتدين هو التشرع بتلك التعاليم، فهو كسب إنساني، وهذا الفارق في الحقيقة بينهما يفضي إلى فارق في الخصائص، واختلاف في الأحكام بالنسبة لكل منهما»([1]).

وإن المتتبع لمعاني «الدين» في التداول الشرعي سرعان ما يتبين الحضور القوي لمعنيي الاعتقاد والاشتغال المقوِّمين للحقيقة الدينية، وأن الإنسان في مساره التديني ينحصر مسعاه في التحقق بالمقتضيات الاعتقادية والاشتغالية للدين، من خلال تحصيل الشعور الواعي بتبعيته للخالق عز وجل، وهو وعي مخصوص بتبعية مخصوصة تتحدد هويتها بمضامين الاعتقاد ومعايير الاشتغال المتضمنة في أحكام الوحي وحِكَمه.

وعليه، فالتدين هو الحقيقة الدينية وقد تشخصت في أرض السلوك والاكتساب، بعد أن كانت معطى مجردا متعاليا، بحيث يمكن القول إن التدين هو الإمكان التنزيلي لحقائق الدين، علما بأن الحقيقة الدينية تحتمل إمكانات تنزيلية واسعة، إذ تعد التجربة النبوية هي الممارسة النموذجية والتنزيل الأمثل لحقائق الدين، أما الإمكانات التنزيلية الأخرى فتندرج تحت تجربة التنزيل النبوي مشكلة سلما ترتيبيا بحسب قربها من الممارسة النموذجية أو بعدها عنها، آخذة في التنازل إلى الحد الذي إذا جاوزته خرجت عن مسمى التدين.

 

الهوامش: 

 


([1]) فقه التدين فهما وتنزيلا، الدكتور عبد المجيد عمر النجار، ص:9-10. الطبعة: 2، 1995هـ-1416م، الزيتونة  للنشر والتوزيع.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(2)

حظي بمحبة أهل فاس وبتقديرهم واحترامهم فتولى منصبي الإمامة والخطابة بجامع القرويين لمدة خمسة عشر عاما حتى اعتبر بمثابة الإمام الشافعي بمصر.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(1)

يكاد يجمع علماء الأمة على فعالية الحكم العطائية في تسطير حدود السلوك السني الذي ينحو بنا إلى مقام الإحسان؛ مرتبة الكمال من مراتب الدين الإسلامي. وقد جاءت الحكم العطائية كما يعلمها الجميع جامعة مانعة ومختصرة في أسلوب رائق وراق.

مفهوم التدين[4]

المقوم الإحساني: مبناه على تمام الجمع بين ظاهر التكاليف وباطنها، مع تحصيل الإخلاص فيه، وتحقيق التعبد على مقتضى التكامل المفيد في ترسيخ تحقق المتدين بالتبعية الاعتقادية والاشتغالية المقومة للحقيقة الدينية.