شذور ذهبية

في معرفة الضعفاء[2]

 

يقول الإمام الحافظ تقي الدين ابن دقيق العيد (ت702هـ) مُبيناً أسباب الجرح وضوابطه:

   وثانيها: المخالفة في العقائد فإنها أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أوتبديعهم، وأوجبت عصبية اعتقدوها دينا يتدينون به ويتقربون به إلى الله تعالى، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير أو التبديع، وهذا موجود كثيرا في الطبقة المتوسطة من المتقدمين.

   والذي تقرر عندنا أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى فقد حصل مُعتمَدُ الرواية، وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه فيما حُكي عنه حيث يقول: "أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الروافض"، وعلة ذلك أنهم يرون جواز الكذب لنُصرة مذهبهم. ونقل ذلك أيضا عن بعض الكرّامية.

نعم ههنا نظر في أمرين:

   أحدهما: أنه هل تقبل رواية المبتدع فيما يؤيد به مذهبه أم لا؟ هذا محل نظر، فمن يرى رد الشهادة بالتهمة فيجيء على مذهبه أن لا يقبل ذلك.

   الثاني: أنا نرى أن من كان داعية لمذهبه المبتدَع متعصبا له متجاهرا بباطله أن تترك الرواية عنه إهانةً له وإخمادا لبدعته، فإن تعظيم المبتدِع تنويه لمذهبه به، اللهم إلا أن يكون ذلك الحديث غير موجود لنا إلا من جهته، فحينئد تقدم مصلحة حفظ الحديث على مصلحة إهانة المبتدِع.

    ومن هذا الوجه- أعني وجه الكلام بسبب المذاهب- يجب أن تُتَفقد مذاهب الجارحين والمزكين مع مذاهب من تكلموا فيه، فإن رأيتها مختلفة فتوقف عن قبول الجرح غاية التوقف حتى يتبين وجهه بيانا لا شبهة فيه. وما كان مطلقا أو غير مفسَّر فلا يجرح به. فإن كان المجروح موثقا من جهة أخرى فلا تحفلن بالجرح المُبهَم ممن خالفه، وإن كان غير موثق فلا تحكُمن بجرحه ولا بتعديله، فاعتبر ما قلت لك في هؤلاء المختلفين كائنا من كانوا.

 

الاقتراح في بيان الاصطلاح ص: 56-57

الطبعة الأولى

1427هـ/2006م

شركة دار المشاريع

بيروت/لبنان 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(2)

رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِطَة أَكثر من ألف رجل، وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكره فِي حَدِيثه.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(1)

لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تلقّي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة.

ذكر معرفة النفس [4]

من حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق العالم الأكبر كله للعالم الأصغر نعيماً للطائع وعذاباً للعاصي، ولذلك جعل العالم الأصغر فريقين، لمَّا خلق العالم الأكبر دارين، وبهذه المعاني سمي الخالق البارىء المصور.