أشعريات

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]3

إعداد:

د/ عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

د/ مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل. 

قال الناظم رحمه الله:

يجب لله الوجــود والـقدم        كذا البقاء والغنى المطلق عـــــم

وخلفه لخلقه بلا مثـــــال        ووحدة الذات ووصف والفعـال

وقدرة إرادة علم حيـــــاة        سمع كلام بصر ذي واجبـــات

قال الشارح رحمه الله:

وهذا المعنى أيضا هو الذي وَرَّثَ أهل البصائر السليمة الزهد في الأكوان، فلم يفرحوا بموجود غير الله، ولم يأنسوا بشيء سواه حتى لا يكون فرحهم وأنسهم عرضة للزوال وإعقاب الحسرة. مر بعضهم على مريد يبكي، فسأله عن سبب بكائه فقال: مات أستاذي، قال ولم جعلت أستاذك من يموت، وأنشدوا:

ليكن بربك جُل عزك يستقر ويثبت  ****  فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

وهذا الزهد في الأكوان قد أفضى بهم إلى مقامات سنية ومراتب علية، فمنهم من يفنى عنها بالكلية، ويسغرق في شهود المكوِّن فلا يبقى له شعور بنفسه ولا بفنائه ولا بشيء سوى المولى جل وعلا. قال بعضهم: رأيت بعض الوالهين فقلت: ما اسمك؟ قال: هو، فقلت: من أنت؟ قال: هو، فقلت: من أين تجيء؟ قال: هو، فقلت: مَن تعني؟ قال: هو، فلا أسأله عن شيء إلا قال: هو، فقلت: لعلك تريد الله، فصاح وخرجت روحه.

 ومنهم من يشهد الحق في الأكوان بأن يلاحظها من حيث إنها مرايا وآلات للتعريف ومظاهر لكمالات بارئها، فإن إبرازها مظهر لوجوده وحياته وقدرته، وتخصيصها مظهر لإرادته، وإحْكامُها وإتقانها مظهر لعلمه وحكمته وهكذا، وهذا النوع أكمل من الأول؛ لأنه تعالى لم يظهر المملكة ليذهل الخلقُ عنها بالكلية ولا يوقف عندها، بل ليُشهد فيها، فالمطلوب منك أن تراها بعين من لا يراها؛ تراها من حيث ظهور الحق فيها، ولا تراها من حيث ذاتها، قاله ابن عطاء الله في لطائف المنن، وأنشد لنفسه:

ما أُبينت لك العوالــــــــم إلا **** لتراها بعين من لا يراهـــا

                           فَارْقَ عَنْهَا رُقِيَّ مَنْ لَيْسَ يَرْضَى  **** حالة دون أن يرى مولاها

ومنهم من يشهد الحق قبل الأكوان بأن يستدل به عليها عكس طريق العامة، وهذا شأن أهل الجذب الذين تلاشت الأكوان في نظرهم بشهود مُكوِّنها، وطال عهدهم بها فنسوها، لكن علمهم بفيضان إحسان الحق وسعة رحمته دلهم على تكوينها، فهم يستدلون بالذات على الصفات، وبها على التعلقات[1]، وبها على المتعلَّقات[2] عكس السالكين، وإلى الفريقين أشار في الحكم بقوله: (دل بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه، وبوجود أوصافه على وجود ذاته، إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه، فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته، ثم يردهم إلى شهود صفاته، ثم يُرجعهم إلى التعلق بأسمائه، ثم يردهم إلى شهود آثاره، والسالكون على عكس هذا، فنهاية السالكين بداية المجذوبين، وبداية السالكين نهاية المجذوبين، لكن لا بمعنى واحد، فربما التقيا في الطريق، هذا في ترقيه، وهذا في تدليه) هـ. وقال أيضا: (شتان بين من يستدل به أو يستدل عَلَيْهِ، المستدل به عرف الحق لأهله، وأثبت الأمر من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه).

ومنهم من يشهد الحق مع الأكوان دفعة، وهذا شأن من اعتاد استحضار أن الحق هو الموجود الحقيقي، وأن وجود الأكوان عارية مسبوق بالعدم ويلحقه العدم، ويصح في كل لحظة أن يخلفه العدم، وتكررت هذه المعاني على قلبه، فصار إذا شاهد الموجودات العرضية تذكر الموجود الذاتي دفعة، والفرق بينه وبين من يشهد الحق فيها أن هذا يشهد الأكوان والحق قصدا، وذاك يشهد الحق قصدا والأكوان تبعا، كالفرق بين من ينظر المرآة ليتعرف حالها ولمشاهدة الصورة التي فيها، وبين من ينظرها للصورة التي فيها فقط، ومنها أن من اللوازم المتباينة التي كان الكلام فيها أن وجوده تعالى لا يتقيد بالزمان والمكان لأنه موجدهما، ووجود غيره لا بد له منهما. ومنها أن وجوده تعالى في القلوب نُورٌ وأُنْسٌ وعز وغنى، ووجود الأغيار فيها ظلمة ووحشة وذل وفقر. قال في الحكم: (كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته).

 

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 هـ على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص 46 ـ 47. 

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

الهوامش:

 


[1] - المراد بها الأسماء، ومعنى التعلق أن تصف نفسك بضدها، فالتعلق مثلا باسم القدرة معناه اتصاف العبد بالعجز.

[2] - أي الآثار المخلوقة.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]4

 وجمال الحضرة في غاية الإشراق مع استغراقه ودوامه، إذ لم تشذ عن ظهوره ذرة من العالم في وقت ما، والشيء يتميز بظهور ضده، فنور الشمس وضح بنسخ الظلام له، ولولا غيبوبته لظن الظان أنه ليس ثم إلا الأجسام والألوان، فلما غاب الضوء وخفيت الأجسام والألون علمنا أن ظهورها كان به، فبان وجوده بعدمه، ولا ضد لجمال الحضرة يميزه على هذا المنوال.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]2

وجوده تعالى هو الذي لا يفتقر إلى مستند أصلا، ووجود غيره مستند إلى قدرته تعالى وإرادته ابتداء، وكذا دواما على الصحيح، فلولا إنعامه على المكوَّنات بإيجادها لم توجد، ولولا إنعامه عليها بإمدادها في كل لحظة لاضمحل وجودها؛ لأنها تقبل العدم في كل لحظة.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]1

المراد بذلك المنقول عن الأشعري وغيره من أن وجود الشيء عينه لا زائد عليه الرد على أكثر المعتزلة إذ قالوا المعدوم الممكن قبل وجوده شيء وذات ومتقرر في نفسه في الخارج، إلا أن الممكنات قبل أن تُكسى نور الوجود كأشياء مخبوءة في بيت مظلم، ثم يفيض الله على ما يشاء منها نور الوجود فيبرز للعيان، فللذوات الموجودة عندهم تقرر قبل الوجود، والفاعل المختار عندهم إنما فعل الوجود لا الذوات. قال البدر الزركشي: وهذا القول يجر بهم إلى القول بقدم العالم.