سلوكيات

مفهوم التدين[3]

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل:


وفي هذا السياق لنا أن نستحضر الحديث الشهير في التداول الشرعي، والمتعلق بمراتب الدين، وهو حديث جبريل عليه السلام([1])، فمنه تنبعث للناظر بعض الاقتضاءات المفهومية لاصطلاح الدين ومن خلاله التدين:

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان». قال: ثم انطلق. فلبثت مليا، ثم قال لي: «يا عمر أتدري من السائل؟»، قلت الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم»([2]).

إن القراءة المتدبرة لمعاني هذا النص الحديثي الشريف كفيلة بإرشاد الدارس إلى تبين معالم الحقيقة الدينية بشكل عام، مثلما تفيد في استكناه معطيات الدين في صورة الوحي الخاتم أي دين الإسلام، فالدين، كما هو لائح من البيان النبوي، ذو«مقومات معنوية» تؤسس ماهيته، وبها يتشكل قوام التبعية الاعتقادية والاشتغالية لدى المتدين:  

- فهناك المقوم الإسلامي؛

- وهناك المقوم الإيماني؛

- وهناك المقوم الإحساني.

 

الهوامش:

 

 


([1]) الحديث أخرجه الإمام مسلم مطولاً في كتاب الإيمان من حديث عمر t، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، والترمذي في كتاب الإيمان، والنسائي في كتاب الإيمان والشرائع، وابن ماجة في المقدمة، وأخرجه الإمام أحمد مختصراً ومطولاً، والبغوي في شرح السنة، وابن حبان وغيرهم، وابن أبي شيبة عن ابن عمر، وروي الحديث من طريق أبي هريرة.وأخرجه البخاري مختصراً في كتاب الإيمان، ورواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مختصراً.

([2]) قال الحافظ ابن حجر: «قال القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له أم السنة، لما تضمنه من جمل علم السنة، وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه «المصابيح» و «شرح السنة»، اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة، لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالا. وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه». فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 1/154. دار الحديث، القاهرة، 1424هـ - 2004م.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مفهوم التدين[4]

المقوم الإحساني: مبناه على تمام الجمع بين ظاهر التكاليف وباطنها، مع تحصيل الإخلاص فيه، وتحقيق التعبد على مقتضى التكامل المفيد في ترسيخ تحقق المتدين بالتبعية الاعتقادية والاشتغالية المقومة للحقيقة الدينية.

مفهوم التدين[2]

التدين هو الحقيقة الدينية وقد تشخصت في أرض السلوك والاكتساب، بعد أن كانت معطى مجردا متعاليا، بحيث يمكن القول إن التدين هو الإمكان التنزيلي لحقائق الدين.

مفهوم التدين[1]

التدين إذا أطلق في سياق النظر والاستشكال، يراد به صفة كل اجتهاد يكون مسعاه تحصيل الاتصاف بالدين، باعتباره حقائق «أحكامية» و«حِكَمِية» منزلة من لدن الحكيم الخبير، بوساطة أنبيائه ورسله.