أشعريات

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]4

إعداد:

د/ عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

د/ مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.


قال الناظم رحمه الله:

يجب لله الوجــود والـقدم        كذا البقاء والغنى المطلق عـــــم

وخلفه لخلقه بلا مثـــــال        ووحدة الذات ووصف والفعـال

وقدرة إرادة علم حيـــــاة        سمع كلام بصر ذي واجبـــات

قال الشارح رحمه الله:

ومنها أن وجوده تعالى ظاهر بكل شيء وفي كل شيء ولكل شيء وأظهرُ من وجود كل شيء، ووجود غيره ليس كذلك.

أما أنه ظاهر بكل شيء فلِأن كل ذرة من العالم مصنوعة له، وكل فعل فَمِنْهُ يشهد له بالوجود والقدرة والإرادة والعلم والحكمة وغير ذلك، ولقد أجاد أبو العتاهية إذ يقول:

أيا عجبا كيف يُعصى الإله ****  أم كيف يجحده الجاحـــــــد

ولله في كل تحريكـــــــــــة ****  وتسكينة وفي الورى شاهد

وفي كل شيء له آيــــــــــة **** تدل على أنه الواحــــــــــد

وأما أنه ظاهر في كل شيء فمن حيث إن الأكوان مرايا ومظاهر لتجلي صفاته وتَعرُّفِ كمالاته كما مر[1]، وفي ذلك قيل:

ألاحظه في كل شيء رأيته   ****   وأدعوه سرا بالمنى فيجيـب

ملأت به سمعي وناظــري   ****   وكلي وأجزائي فأين يغيــب

وأما أنه ظاهر لكل شيء، فلقوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) [ سورة الإسراء، الآية: 44.]. وأخرج أبو الشيخ وابن مَردُوْيَه: (الزرع يسبح وأجره لصاحبه، والثوب يسبح ويقول الوسِخ لصاحبه إن كنت مومنا فاغسلني). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة: (الأسطوانة[2] تسبح، والباب يسبح). وفي شرحنا على الحكم عند قوله: (وهو الذي ظهر لكل شيء) من هذا النمط العجب العجاب.

وأما أنه أظهر من كل شيء، فلأن ظهور الوجود الذاتي المطلق أقوى من العرضي المقيد، ومن ثم كان اسمه "الله" أعرفَ المعارف كما قاله إمام النحو رحمه الله[3]؛ لأن ظهور الاسم على حسب المسمى.

فإن قلت كيف خفي مع هذا الظهور الأتم حتى ضلت عقول وزلت أقدام، وعميت بصائر، وفشى الزيغ اعتقادا وعملا، قلنا قصور العقل عن معرفة الشيء حق المعرفة إما لغموضه في نفسه كحقيقة الروح، وإما لشدة وضوحه كالشمس التي لا تقاومها الأبصار، ولا تقدر على إمعان النظر فيها، والنهار الذي لا يبصر به الأخفش المبصر ليلا لا لخفاء الشمس والنهار، بل لشدة ظهورهما بالنسبة للمبصر، فكذا عقولنا ضعيفة، وجمال الحضرة في غاية الإشراق مع استغراقه ودوامه، إذ لم تشذ عن ظهوره ذرة من العالم في وقت ما، والشيء يتميز بظهور ضده، فنور الشمس وضح بنسخ الظلام له، ولولا غيبوبته لظن الظان أنه ليس ثم إلا الأجسام والألوان، فلما غاب الضوء وخفيت الأجسام والألون علمنا أن ظهورها كان به، فبان وجوده بعدمه، ولا ضد لجمال الحضرة يميزه على هذا المنوال، ثم لو انتفى الاستغراق وكان بعض الأشياء موجودا به وبعضها بغيره لحصل التمييز أيضا، ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر، وانضم إلى ذلك أن المكونات الشاهدة بكمالاته يدركها الإنسان في الصبا قبل استجماع عقله، فيدركها من حيث ذواتها وقضاء أوطاره منها لا من حيث الدلالة والتعريف، ثم يبقى على ذلك ويطول أنسه بها، فلا يبقى لها وقع في قلبه، ولا ينتبه لما في طيها من الحِكم، ولذا إذا فاجأه ما ليس مأنوسا له من حيوان أو نبات غريب انطلق لسانه بالمعرفة والتسبيح، وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة، وكلها شواهد قاطعة، ولا يحس بذلك لطول الأُنس، فلو قُدِّرَ أكمه انفتح بصره فجأة في هذا العالم لخيف على عقله أن ينبهر، فهذا وأمثاله مع الانهماك في الشهوات هو سبب الغفلة والضلالات، كذا في الإحياء، فمن شدة الظهور الخفاء كما قيل:

وما احتجبت إلا برفع حجابها    ****    ومن عجب أن الظهور تستر

وقيل:

أنى يغيب وليس يوجد غــيره    ****     لكن شديد ظهوره أخفــــــاه

وأما اسمه الباطن فمعناه الذي لا تحيط العقول بكنهه، فلا ينافي ما دُونَ الإحاطة من الظهور.

 

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 هـ على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص 47 ـ 48. 

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

الهوامش: 

 


[1] - أي عند قول ابن عاشر: وفي طريقة الجنيد السالك.

[2] - الأسطوانة هي السارية.

[3] - أي سيبويه.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]3

وجوده تعالى في القلوب نُورٌ وأُنْسٌ وعز وغنى، ووجود الأغيار فيها ظلمة ووحشة وذل وفقر. قال في الحكم: (كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته).

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]2

وجوده تعالى هو الذي لا يفتقر إلى مستند أصلا، ووجود غيره مستند إلى قدرته تعالى وإرادته ابتداء، وكذا دواما على الصحيح، فلولا إنعامه على المكوَّنات بإيجادها لم توجد، ولولا إنعامه عليها بإمدادها في كل لحظة لاضمحل وجودها؛ لأنها تقبل العدم في كل لحظة.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]1

المراد بذلك المنقول عن الأشعري وغيره من أن وجود الشيء عينه لا زائد عليه الرد على أكثر المعتزلة إذ قالوا المعدوم الممكن قبل وجوده شيء وذات ومتقرر في نفسه في الخارج، إلا أن الممكنات قبل أن تُكسى نور الوجود كأشياء مخبوءة في بيت مظلم، ثم يفيض الله على ما يشاء منها نور الوجود فيبرز للعيان، فللذوات الموجودة عندهم تقرر قبل الوجود، والفاعل المختار عندهم إنما فعل الوجود لا الذوات. قال البدر الزركشي: وهذا القول يجر بهم إلى القول بقدم العالم.