سلوكيات

مفهوم التدين[4]

د/ مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل


إن القراءة المتدبرة لمعاني حديث جبريل كفيلة بإرشاد الدارس إلى تبين معالم الحقيقة الدينية بشكل عام، مثلما تفيد في استكناه معطيات الدين في صورة الوحي الخاتم أي دين الإسلام، فالدين، كما هو لائح من البيان النبوي، ذو«مقومات معنوية» تؤسس ماهيته، وبها يتشكل قوام التبعية الاعتقادية والاشتغالية لدى المتدين:  

- فهناك المقوم الإسلامي؛

- وهناك المقوم الإيماني؛

- وهناك المقوم الإحساني.

أما المقوم الإسلامي، فله تعلق بحفظ الأوصاف الظاهرة للتكليف، بحيث يعد المتصف بها قائما بشرط الدخول في مسمى التدين بالإسلام، والإخلال بها إيذان بالخروج من ربقة التكليف إلى نقيضه.

وأما المقوم الإيماني، فله صلـة بحفظ الأوصاف الباطنـة للتكليف، بحيث يعد المتصف بها قائما بشرط العقد القلبي الزائد على مجرد العقد الظاهري، والإخلال به إخلال بما سلف اكتسابه في مرتبة الإسلام، ونقض بالتالـي لمشروعيـة التدين بالإسلام.([1])

وأما المقوم الإحساني، فمبناه على تمام الجمع بين ظاهر التكاليف وباطنها، مع تحصيل الإخلاص فيه، وتحقيق التعبد على مقتضى التكامل المفيد في ترسيخ تحقق المتدين بالتبعية الاعتقادية والاشتغالية المقومة للحقيقة الدينية. قال الحافظ ابن حجر مقررا معنى الإحسان: «وإحسان العبادة، الإخلاص فيها، والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود، وأشار في الجواب إلى حالتين: أرفعهما أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه، حتى كأنه يراه بعينه، وهو قوله: «كأنك تراه»، أي وهو يراك، والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه، يرى كل ما يعمل، وهو قوله: «فإنه يراك»، وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته».([2])

وقال الإمام النووي: «قوله ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى، لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، فقال ﷺ: اعبد الله في جميع أحوالك، كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان، إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال، للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك. وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص؛ احتراما لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعا عليه في سره وعلانيته»([3]).

الهوامش: 

 


([1])جاء في فتح الباري ما نصه: «وفي رواية ابن القعقاع، بدأ بالإسلام؛ لأنه بالأمر الظاهر، وثنى بالإيمان لأنه بالأمر الباطن، ورجح هذا الطيبي لما فيه من الترقي». فتح الباري،1/145. ونقل النووي عن الإمام أبي عمرو بن الصلاح قوله: «قوله ﷺ: الإسلام أن تشهد أن لا الله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، و توتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، و الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وبيان لأصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه له يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، و مقويات ومتممات وحافظات له (...) واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قال: فخرج مما ذكرناه وحققنا، أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا». شرح النووي على == مسلم،1/185. تحقيق وتخريج وفهرسة: عصام الصبابطي، حازم محمد، عماد عامر. الطبعة الرابعة، 1422هـ - 2001م، دار الحديث، القاهرة.

([2])فتح الباري، 1/148.

([3])شرح النووي على صحيح مسلم،1/193.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(2)

حظي بمحبة أهل فاس وبتقديرهم واحترامهم فتولى منصبي الإمامة والخطابة بجامع القرويين لمدة خمسة عشر عاما حتى اعتبر بمثابة الإمام الشافعي بمصر.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(1)

يكاد يجمع علماء الأمة على فعالية الحكم العطائية في تسطير حدود السلوك السني الذي ينحو بنا إلى مقام الإحسان؛ مرتبة الكمال من مراتب الدين الإسلامي. وقد جاءت الحكم العطائية كما يعلمها الجميع جامعة مانعة ومختصرة في أسلوب رائق وراق.

مفهوم التدين[3]

الدين، كما هو لائح من البيان النبوي، ذو«مقومات معنوية» تؤسس ماهيته، وبها يتشكل قوام التبعية الاعتقادية والاشتغالية لدى المتدين.