شذرات القرويين

الحركة العلمية بالقرويين على عهد المولى إسماعيل[4]

دة/ فاطمة نافع 

أستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس.


أورد عبد الرحمان ابن زيدان في كتابه " المنزع اللطيف، نص الرسالة التي نقتطع منها قول السلطان: " فانتم عالمون ما ورد في فضل التعلم والتعليم... وقد جعلكم الله نظاما لهذا الدين القويم ... وجعل ما أنعم به عليكم من العلم غير قاصر على أنفسكم، فأجرى النفع لعامة المسلمين وخاصتهم، كبيرهم وصغيرهم، شريفهم ومشروفهم، وصار بكم ليل الجهل نهارا، وصرتم شموسا يستضاء بها وأقمارا "[1].

وقوله : " فإنني أعلم أن الملوك حكام على الدنيا والعلماء حكام على الملوك، وأعلم أن العالم في الأرض كالنجم في السماء، من ترك العالم ضل، ومن غاب عنه النجم تحير، وأن العالم كالسراج من جاء اقتبس من نوره ولا ينقص من علمه شيء، وأعلم بأن بالعلم ساد من ساد، وانتظمت مصالح الدين والدنيا" [2].

وقوله أيضا : " وبلغني أنه حصل منكم تقصير في التعليم حتى كاد أن يضيع العلم من فاس وهي أم مدن المغرب فيكون في غيرها أضيع، فنأمركم أن ترجعوا لما كنتم عليه من الاجتهاد ونفع الحاضر والباد... وستعمكم منا عطايا تعم المعلم والمتعلم متبوعة بغيرها" [3].

هذا الخطاب السلطاني أبرز المكانة التي تسنمها علماء القرويين، على اعتبار أنهم معيارية علمية تقاس بها درجات الصعود والتراجع العلمي المغربي، مما يحتم تفانيهم في المهام الفكرية المنوطة بهم مثل التنظير والاستنباط والتشريع، مقابل تقديم تحفيزات مادية حيث تجرى الرواتب من بيت المال، لتكفيهم مؤونة الانشغالات المعيشية، والتفرغ للعلم والمعرفة[4].

كما يوحي الخطاب بأن على علماء القرويين أن يعتبروا أنفسهم وقفا على كل أراضي المغرب[5].

وهو ما تحقق فعلا في ظل انبساط الأمن في الزمن الإسماعيلي، حيث تحولت القرويين إلى جامعة متحركة، يحل علماؤها بمكناس ومراكش وبقية الحواضر والبوادي، في إطار مهام علمية، مما عزز لحمة التواصل مع باقي المراكز ذات الصبغة الثقافية مثل الزاوية الناصرية التي تولت نشر المعرفة بالربوع السوسية والجنوب عموما، والزاوية الشرقاوية ناحية تادلا التي خلفت زاوية الدلاء في مهمتها التعليمية.

وهذا الاهتمام الإسماعيلي بالقرويين، كان له أثره في ابتعاث عناصر النهضة ومقومات التطور، الهادفة إلى الإبقاء على ريادة الجامعة الفاسية.

 

الهوامش:

 


[1] -عبد الرحمان ابن زيدان، المنزع اللطيف في مفاخر المولى إسماعيل ابن الشريف، ص : 104-105، تحقيق عبد الهادي التازي.

[2] -ابن زيدان، المنزع اللطيف، ص : 105-106، تحقيق عبد الهادي التازي.

[3] -نفسه، ص : 106.

[4] -انظر، آسية الهاشمي، المجالس العلمية السلطانية، الجزء الأول، ص : 237.

وتذكر أن المولى إسماعيل كان يقطع العلماء إقطاعات قيمة، ويصدر لبعضهم ظهائر التوقير والاحترام، ويجددها لأبنائهم.

[5] -التازي، جامع القرويين، الجزء الثالث، ص : 717.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(3)

لئن كان القلم الفاسي قد اشتهر وارتبط بتقييد التركات وما يخشى وقوع التزوير فيه، فقد استخدمه العلماء والنساخ كذلك في تأريخ المخطوطات.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(2)

من أوجه عناية وتميز علماء فاس بعلوم الحساب أن ابتكروا حساب القلم الفاسي، وهو طريقة فريدة من نوعها استخدمت بقصد منع التزوير والتلاعب في الوثائق خاصة فيما يخص التركات، كما استخدم في تأريخ بعض الكتب والمؤلفات.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(1)

استمرت جامعة القرويين – القلب النابض لمدينة فاس- عامرة تواصل سيرها الحثيث، متخطية كل الصعاب ومتحدية كل العقبات تؤدي رسالتها العلمية والحضارية من جيل إلى جيل، محافظة بذلك على التراث الإسلامي وأصالة الأمة المغربية.