شذور ذهبية

في معرفة الضعفاء[4]

 

يقول الإمام الحافظ تقي الدين ابن دقيق العيد (ت702هـ) مُبيناً

أسباب الجرح وضوابطه:

ورابعها: الكلام بسبب الجهل بالعلوم ومراتبها، والحق والباطل منها، وهذا محتاج إليه في المتأخرين أكثر مما يحتاج إليه في المتقدمين، وذلك لأن الناس انتشرت بينهم أنواع من العلوم المتقدمة والمتأخرة حتى علوم الأوائل.

وقد علم أن علوم الأوائل قد انقسمت إلى حق وباطل، ومن الحق علم الحساب والهندسة والطب، ومن الباطل ما يقولونه في الطبيعيات وكثير من الإلهيات وأحكام النجوم، وقد تحدث في هذه الأمور أقوام.

ويحتاج القادح بسبب ذلك إلى أن يكون مميزا بين الحق والباطل لئلا يُكَفِّر من ليس بكافر، أو يقبل رواية الكافر، والمتقدمون قد استراحوا من هذا الوجه لعدم شيوع هذه الأمور في زمانهم.

وخامسها: الخلل الواقع بسبب عدم الورع والأخد بالتوهم والقرائن التي قد تتخلف، فمن فعل ذلك فقد دخل تحت قوله عليه السلام: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث".[أخرجه البخاري في صحيحه:كتاب الوصايا:باب قول الله عز وجل: ﴿ من بعد وصية توصون بها أو دين ﴾].

وهذا ضرره عظيم فيما إذا كان الجارح معروفا بالعلم وكان قليل التقوى، فإن علمه يقتضي أن يجعل أهلا لسماع قوله وجرحه، فيقع الخلل بسبب قلة ورعه وأخده بالوهم.

ولقد رأيت رجلا لا يختلف أهل عصرنا في سماع قوله إن جَرَحَ، ذَكر له إنسان أنه سمع من شيخ فقال له: أين سمعت منه؟ فقال له: بمكة أو قريبا من هذا وقد كان جاء إلى مصر يعني في طريقه للحج فأنكر ذلك وقال: ذاك صاحبي لو جاء إلى مصر لاجتمعَ بي، أو كما قال. فانظر إلى هذا التعلق  بهذا الوهم البعيد والخيال الضعيف فيما أنكره.

ولصعوبة اجتماع هذه الشرائط عَظُم الخطر في الكلام في الرجال لقلة اجتماع هذه الأمور في المزكين، ولذلك قلت: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام.

 

 

الاقتراح في بيان الاصطلاح ص: 58-59

الطبعة الأولى

1427هـ/2006م

شركة دار المشاريع

        بيروت/لبنان



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(3)

قد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها، وَقد تَتَبَّعتُ مَا استدركه فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه وَلم يُصبْ من وَجه.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(2)

رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِطَة أَكثر من ألف رجل، وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكره فِي حَدِيثه.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(1)

لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تلقّي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة.