شذور ذهبية

ذكر أقسام حال النفس[1]

 

يقول الإمام القاضي أبو  بكر بن العربي المعافري الإشبيلي(ت543هـ) رحمه الله:

وقسم الله حال النفس قسماً به يتبين أمرها وتزيد المعرفة بها، ويدل على وجود ربها، وصفاته، وحكمته في أحكامه، وذلك على ثلاثة أقسام لثلاثة أحوال: أمّارة بالسوء، ولوّامة، ومطمئنة.

فالأمّارة بالسوء: هي التي لا يلوح لها طمع إلاَّ تعرضت له، ولا تبدو لها شهوة إلاَّ اقتضتها، لم تسلك سبيل الرشاد، ولا استضاءت بنور السّداد، ولا أحكمتها الرياضة، فهي تهيم من البطالة في كل واد، وذلك الذي يُعبّر عنه بالهوى.

وأما اللوّامة: فإن الله كتب على ابن آدم حظه من المعصية، وأدرك ما قدره الله تعالى لا محالة، وخلق له الشهوة تقتضيها المعصية، وخلق له العقل يقتضيه الكف عنها، وخلق المَلَكَ معيناً للعقل، وخلق الشيطان معيناً للشهوة، ولكل واحد منهما إليه لمة، والقدَر فوق ذلك كله، فإن كف عن المعصية بسابق الفضل له بالعصمة فبها ونعمت، وإن وقع فيها بنافذ القدر، وأدركته رحمة، فأعقب ذلك ندامة على ما فعل وملامة لنفسه فتلك حالة محمودة، ولها - إن شاء الله- عاقبة جميلة لخلوص التوبة، وهي حالة أكثر الخلق.

ولفضل هذه الحالة، أقسم الله سبحانه بها فقال: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (القيامة: 2).

وقيل التي أقسم الله بها هي التي تلوم على التقصير في الطاعة 

وقيل: لم يقسم الله قط بنفس، وإنما نفى القسم بها، وقوله: {لَا أُقْسِمُ} أصلية في النفي، وقيل: هي زائدة ولكن القسم على تقدير محذوف كأنه قال: أقسم برب يوم القيامة ونحوه.

 

قانون التأويل

        للإمام القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي 

ص:486-487-488.

دراسة وتحقيق

محمد السليماني

- دار القبلة للثقافة الإسلامية                                            مؤسسة علوم القرآن

        جدة                                                                    بيروت

  الطبعة الأولى

1406  هـ - 1986م 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(2)

رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِطَة أَكثر من ألف رجل، وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكره فِي حَدِيثه.

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(1)

لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تلقّي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة.

ذكر معرفة النفس [4]

من حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق العالم الأكبر كله للعالم الأصغر نعيماً للطائع وعذاباً للعاصي، ولذلك جعل العالم الأصغر فريقين، لمَّا خلق العالم الأكبر دارين، وبهذه المعاني سمي الخالق البارىء المصور.