شذرات القرويين

الحركة العلمية بالقرويين على عهد المولى إسماعيل[8]

دة/ فاطمة نافع 

أستاذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس.

الإسهام السياسي:

شكل علماء القرويين أحد أسس الحياة السياسية، فقد كانت السلطة الروحية لأهل العلم مواكبة لسلطة المولى إسماعيل في مواقع صناعة القرار السياسي، فأهم القرارات والقوانين يكون لهم فعل الحسم فيها، بحيث تصبح منطلقا لتحقيق أهداف الدولة.

فالقضايا الحساسة والشائكة التي تؤرق السلطان، يسند أمر دراستها والبث فيها إلى العلماء، فيقولون بما يرونه ويجمعون عليه اعتمادا على تعاليم الشرع[1]، وذلك حتى تبقى الممارسة السياسية على وفاق مع محيطها الثقافي والنفسي والاجتماعي دون الإخلال بالأساس الشرعي والعقدي.

ونظير هذا المحاورات التي نشأت بين المولى إسماعيل ومشايخ جامعة القرويين حول قضية تمليك العبيد، فأولوية السلطان تكمن في تكوين جيش قوي له إمكانية الحفاظ على الأمن وصد الغزو الخارجي للسواحل المغربية، ويطمح في الوقت ذاته إلى الحصول على موافقة العلماء على الطرق المنتهجة في تشكيل الجيش[2].

فنجده في رسالة مؤرخة بـ : 25 ذي الحجة عام ثمانية ومائة وألف، موجهة إلى محمد بن عبد القادر الفاسي يقول: " محبنا في ذات الله العلامة الأجل الخير البركة السيد محمد بن الشيخ البركة السيد عبد القادر الفاسي، ... أما بعد فلا يخفى على كريم علمكم.. ما أقامنا الله فيه من هذا المنصب... وقد علمتم حفظكم الله أن هذا الأمر لابد له من ناموس يحفظه.. وهو اتخاذ الجند... والوصفان من النجدة والحزم والقابلية والصبر ما ليس في غيرهم من الأحرار... اقتنينا منهم جندا ... فأفتونا بفتوى تبيح ترك اقتناء الجند واتخاذه رأسا ..."[3]

ويثمن هذا الحضور السياسي لرجال القرويين تقريب صفوة من العلماء وجعلهم بمثابة مستشارين يتدارس معهم السلطان شؤون دولته، وهو ما تؤكده اللقاءات الثنائية التي كانت تعقد مع العالم محمد بن أحمد ميارة، والمراسلات التي جرت بين المولى إسماعيل والعالم الحسن اليوسي والعالم محمد بن عبد القادر الفاسي.

وعلى صعيد العلاقات الخارجية نجد السلطان يختار أحد علماء القرويين محمد الطيب بن محمد بن عبد القادر الفاسي، ليكون ضمن أعضاء السفارة التي وجهها لعقد صلح مع أتراك الجزائر، وضم الوفد نجل السلطان الأمير عبد الملك والكاتب أبا عبد الله الوزير الغساني وغيرهما من وجوه الدولة الإسماعيلية، وذلك في حدود 1103 هـ[4].

من خلال هذا الرصد لدينامية الهيئة العلمية تبرز أهمية جامع القرويين كمكون ثقافي ومحضن فكري، تسلم زمام العملية التعليمية والتعلمية، وسجل حضوره ضمن مفصليات الفعل التاريخي في مغرب السلطان إسماعيل الذي دعم الحركة العلمية أسلوبا وروحا وغاية.

الهوامش:

 


[1] - انظر، آسية الهاشمي، المجالس العلمية السلطانية، الجزء الأول، ص : 240.

[2] - انظر، التازي، المرجع السابق، المجلد الثالث، ص : 717-718.

[3] - مكاتبات المولى إسماعيل للبيت الفاسي، مجلة هسبريس تامودا، عدد 1962، ص : 47.

[4] - محمد العابد الفاسي، ناطح صخرة، ص : 47.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(5)

فتح الله عليه طريق التعلم والارتقاء في طلب العلم سواء العلوم الشرعية أو العلوم التطبيقية رغم ما وجده من صعوبة في صغره، في التلقي واستيعاب الدروس.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(4)

إذا كان القلم الفاسي لم يكن يستخدمه – يوم كان يُستخدم- إلا القضاة والعدول، فمع مرور الوقت وقلة مستخدميه لم يعد يعرفه أحد إلا الواحد بعد الواحد من أهل العلم.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(3)

لئن كان القلم الفاسي قد اشتهر وارتبط بتقييد التركات وما يخشى وقوع التزوير فيه، فقد استخدمه العلماء والنساخ كذلك في تأريخ المخطوطات.