سلوكيات

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(5)

دة/أسماء المصمودي

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل

 

سلوكه طريق القوم

كان الشيخ ابن عطاء الله في أوّل حاله منكراً على أهل التصوف عموماً، وعلى الشيخ أبي العبّاس المُرسي على وجه الخصوص، مفصحا عن ذلك في قوله"...وكنت أنا لأمْرِه من المنكرين، وعليه من المعترضين– يقصد أبا العباس المرسي-  لا لشيء سمعته منه ولا لشيء صحّ نقله حتى جرت بيني مقاولة وبين أصحابه، وذلك قبل صحبتي إيّاه، وقلت لذلك الرجل: ليس إلا أهل العلم الظاهر، وهؤلاء القوم يدّعون أموراً عظيمةً وظاهر الشرع يأباها.فقال ذلك الرّجل بعد أن صحبتُ الشيخَ: أتدري ما قال لي الشيخ يوم تخاصمنا؟ قلتُ: لا. قال: دخلت عليه فأول ما قال لي: هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير ممّا أصابك. فعلمتُ أنّ الشيخَ كوشف بأمرنا. ولعمري لقد صحِبتُ الشيخ اثني عشر عاماً، فما سمِعتُ منه شيئاً ينكره ظاهر العلم من الذي كان ينقله عنه من يقصد الأذى.

وكان سبب اجتماعي به أن قلتُ في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرّجل: دعني أذهب أنظر إلى هذا الرجل فصاحب الحقّ له أمارات لا يخفى شأنه، فأتيتُ إلى مجلسه فوجدته يتكلّم في الأنفاس التي أمر الشارع بها، فقال: الأول إسلام، والثاني: إيمان، والثالث: إحسان. وإن شئت قلت: الأول عبادة، والثاني عبودية، والثالث: عبودة. وإن شئت قلت: الأول شريعة، والثاني: حقيقة، والثالث: تحقّق أو نحو هذا فما زال يقول، وإن شئت قلت وإن شئت قلت إلى أن أبهر عقلي؛ وعلمت أن الرجل إنما يغترف من فيض بحر إلهي، ومدد رباني فأذهب الله ما كان عندي، ثم أتيت تلك الليلة إلى المنزل فلم أجد فيّ شيئا يقبل الاجتماع بالأهل على عادتي ووجدت معنى غريباً، لا أدري ما هو؟ فانفردت في مكان أنظر إلى السماء وإلى كواكبها، وما غلق فيها من عجائب قدرته فحملني ذلك على العود إليه مرة أخرى، فأتيتُ إليه فاستؤذن عليّ، فلمّا دخلت عليه قام قائما وتلقاني ببشاشة وإقبال حتى دهشت خجلاً واستصغرت نفسي أن أكون أهلاً لذلك. فكان أوّل ما قلت له: يا سيدي أنا والله أحبك. فقال: أحبك الله كما أحببتني. ثم شكوت إليه ما أجده من هموم وأحزان. فقال: أحوال العبد أربع لا خامس لها، النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية. فإن كنت بالنعمة فمقتضى الحق منك الشكر، وإن كنت بالبلية فمقتضى الحق منك الصبر، وإن كنت بالطاعة فمقتضى الحق منك شهود منّته عليك فيها، وإن كنت بالمعصية فمقتضى الحق منك وجود الاستغفار، فقمت من عنده وكأنما كانت الهموم والأحزان ثوباً نزعته. ثم سألني بعد ذلك بمدة: كيف حالك؟ قلتُ : أفتّش على الهمّ فما أجده ! فقال:

ليلــــــي بوجهـــــــك مشــــــــــــــــــــــــــرق

 

وظلامــــــه في النـــــــاس ســـــــاري

والنــــاس في سُــــــــــدف الظـــــــلام

 

ونحــــــــن في ضــــــــــوء النهـــــــار"[1]

وصار يقول عن كلامه القديم: "كنت أضحك على نفسي في هذا الكلام". ثم تدرج ابن عطاء الله في منازل العلم والمعرفة حتى تنبأ له الشيخ أبو العبَاس يوماً فقال له:"مخاطباً إياه: "الزم فو الله لئن لزمت لتكوننّ مفتياً في المذهبين" يريد مذهب أهل الشريعة ومذهب أهل الحقيقة[2].

وممّا قال فيه أيضاً: " والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعياً يدعوا إلى الله تعالى"[3].

الهوامش: 

 


[1]- لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه الشاذلي أبي الحسن، لابن عطاء الله الإسكندري، ص81-82.

[2] ـ لطائف المنن، ص.82.

[3] ـ لطائف المنن، ص.80.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(8)

الحكم العطائية لها بعدها التربوي المؤسس لقيم أخلاقية تكفل عيشا سليما يتغيى الرقي بالبعد الأخلاقي للفرد والمجتمع.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(7)

كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير وغير ذلك، وكان متكلما على طريق أهل التصوف واعظا انتفع به خلق كثير وسلكوا طريقه.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(6)

كان رجلاً صالحاً له ذوق، وفي كلامه ترويح للنفس وسَوْق إلى الشوق، يتكلّم على كرسيّ في الجوامع، ويقيّد المارقين بأغلالٍ وجوامع، وله إلمام بآثار السلف الصالح، وكلام الصوفية.