بحث و حوار

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[9]

د/علي البودخاني

أستاذ بكلية الشريعة بفاس


سابعا: الإخلاص:

 إن صلاح النية وإخلاص القلب لله عز وجل يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوي البحت فيجعلانه عبادة متقبلة، ويكونان سببا لدخول الجنة، لا لمغنم، ولا لشهرة، ولا لرياء، ولا ليقال: إنه شجاع، ولا من أجل نصرة عصبية أو قبيلة ونحوهما...

فالإسلام يرقب بعناية فائقة، ما يقارن أعمال الناس من نيات، وما يلابسها من عواطف وانفعالات، فهو لا يعتد مثلا بالصدقة إلا إذا خلصت من شوائب النفس، وتمخضت لله وحده عدى ما وصف الباري جل جلاله في القرآن الكريم:" إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا"[1]، وقال عز اسما: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "[2]، وقوله: "æ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة "[3].إنه نمط آخر أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له[4].

والحق أن المرء ما دام قد أسلم لله وجهه وأخلص نيته فإن حركاته وسكناته ونوماته ويقظاته، تحتسب خطوات إلى مرضاة الله. وقد يعجز عن عمل الخير الذي يصبو إليه، لقلة ماله أو ضعف صحته. ولكن الله مطلع على خبايا النفوس الحريصة على الإصلاح فيتفضل سبحانه بإدراجها في سلك الصالحين، والراغبة في الجهاد فيدرجها في حزب المجاهدين؛ لأن علو همتهم وصفاء نياتهم درأ عجز وسائلهم[5].

والإخلاص يسطع شعاعه في النفس، أشد ما يكون تألقا في الشدائد المحرجة، إن الإنسان عندما ينسلخ من أهوائه، ويتبرأ من أخطائه، ويقف في ساحة الله أوابا، فإنه يرجو رحمته ويخاف عذابه.

وقد صور القرآن الكريم فزع الإنسان عند الحيرة، وانقطاعه إلى ربه يستنجد به، ليخرجه من مأزقه الذي وقع فيه. " قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون "[6].

قال الغزالي – رحمه الله – إن هذا الإخلاص حال طارئة، والأحوال التي تنتاب المرء وتفارقه ليس خلقا، والله تبارك وتعالى يريد من الناس أن يعرفوه حق المعرفة، وأن يقدروه حق قدره، في السراء والضراء جميعا.

 

الهوامش: 


[1]  - سورة الإنسان، الآية: 9.

[2]  - سورة آل عمران، الآية: 92.

[3]  - سورة الحشر، الآية:9.

[4]  - تفسير ابن كثير ج1/209. دار الفكر بيروت سنة: 1401هـ.

[5]  - خلق المسلم ص: 69.

[6]  - سورة الأنعام، الآيتان: 64-65.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(1)

المصطلح هو باب العلوم التي لا يمكن ولوجها إلا من خلاله، كما أن عملية تقريب أي علم لا تتأتى – في جانبها الأكبر -  إلا عن طريق تيسير مصطلحاته.

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[10]

بين الله عز وجل أصول شرعه الحكيم في القرآن الكريم، فشرع ما لا يشق على النفس، بحيث راعى في هذا أحوال الضعف والوهن في الإنسان وتعرضه للعجز أو المرض.

جوانب من الأخلاق في دائرة الدلالة القرآنية[8]

الصبر هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، والهداية الواقية من القنوط. والصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه، ولا بد أن يبني عليها أعماله وآماله.