شذور ذهبية

ذكر معرفة النفس [3]

 

يقول الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي(ت543هـ)

رحمه الله:

 

وكذلك لا يجوز أن يُشَبَّهَ بشيء من خلقه؛ لأنه لو كان مثله، لما كان أحدهما أولى بأن يكون الموجد من الآخر.

 ولا يجوز أن يكون له شبه في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل من أضاف ذلك إليه فهو مُشَبِّهٌ، ولذلك كان جميع من يخرج عن رسم المُوَحِّدِينَ مُشَبِّهاً، وقد أحكم الله بيان ذلك بقوله: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) [الشعراء: 94 - 99].

ومن أئمة المجرمين القدرية الذين ساووا الثنوية، فقالوا: "إن العباد يخلقون الشر دون الله"، فسووا بينهم وبين الخالق، وأخذوا منه ما أثبته لنفسه في قوله: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: 96].

فأخبر سبحانه أنه خلق أعمالهم كخلقه لهم. ألا ترى كيف زاده بياناً ليثبته برهاناً فقال عنهم وعن أمثالهم: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ في ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: 47 - 49].

 وهكذا تستدل أيها العبد بنفسك على ربك، حتّى لقد غلا في ذلك بعضهم فقال: إن الِإنسان هو العالم الأصغر، والسموات والأرض بما تشتمل عليه هو العالم الأكبر، وأفرط في التشبيه بينهما والمناسبة لهما، وليس ذلك بُمعْتَرض على الدين، ولا قادح في عقيدة المسلمين، ولا بعيد من حكمة الملك الحق المبين. فلا معنى لِإنكاره، فإنك لا تنظر إلى معنى في نفسك إلا ولله فيك دليل شاهد على أنه واحد.

وإن العبد منا ليؤلف كتاباً مُوعباً في علم، ثم يختصره في طريق، ثم يشير إلى نكته في آخر، فيأتي عمله بسيطاً ووجيزاً وخلاصة، ويدل الأول على الآخر، ويقتضي القليل الكثير.

وإذا تأملت هذا تأملًا محققاً، وأمعنت النظر، لم يبعد أن يخلق الباري سبحانه الجنة والنار وهو الخلق الأعظم، ثم خلق السموات والأرض بما فيهن وبينهن، وهو الخلق الأوسط وخلق الإنسان آخراً، وخاتمة بعد تمام المخلوقات كلها، وهو الخلق الأصغر.

 

قانون التأويل

        للإمام القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي 

ص: 462-463-464. 

دراسة وتحقيق

محمد السليماني

- دار القبلة للثقافة الإسلامية                                                 مؤسسة علوم القرآن

       جدة                                                                          بيروت

  الطبعة الأولى

     1406  هـ - 1986م

دار القبلة للثقافة الإسلامية                      مؤسسة علوم القرآن

     جدة:المملكة العربية السعودية                         دمشق- سوريا



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(1)

لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تلقّي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة.

ذكر معرفة النفس [4]

من حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق العالم الأكبر كله للعالم الأصغر نعيماً للطائع وعذاباً للعاصي، ولذلك جعل العالم الأصغر فريقين، لمَّا خلق العالم الأكبر دارين، وبهذه المعاني سمي الخالق البارىء المصور.

ذكر معرفة النفس [2]

إذا رأى العبد ما هو عليه من الخروج من حالة عدم إلى حالة وجود، والانتقال من صفة إلى صفة، والاختصاص بحالة دون حالة، بالمزايا الشريفة من العلم والنطق والتدبير والحياة والقدرة، علم أنه موجود لموجد قادر.