مالكيات

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[4]

د/مولاي إدريس غازي.

باحث بمركز دراس بن إسماعيل.


2- ما جرى به العمل في البيوع 

المسألة الأولى: جواز بيع الديـن دون حضور المديـن

مفهـوم بيع الديـن وصوره:

بيع الدين هو مبادلة ما ثبت في الذمة بمال. فالمبيع في هذه الحالة هو شيء ثابت في ذمة المدين هو المعبر عنه بالدين، وله صورتان:

أ- بيع الدين بالدين:

ومعناه بيع ما في ذمة بما في ذمة أخرى، بحيث تنتقل بموجب هذا البيع ملكية الدين التي للدائن على المدين إلى شخص ثالث يدفع فيه عوضا يكون في ذمته، وقد نص المالكية على عدم الجواز.

ب- بيع الدين بالنقد:  

ومعناه أن الشيء الثابت في الذمة لا يكون بدله شيئا آخر ثابتا في الذمة، وإنما العوض فيه يقبضه الدائن البائع للدين مناجزة، وسواء كان المشتري هو المدين عينه أو غيره.

وقد نص علماء المذهب على جوازه بشروط حيث جاء في المسائل الملقوطة ما نصه: «ولا يجوز بيع الدين إلا بخمسة شروط: وهي أن لا يكون طعاما، وأن يكون الغريم حاضرا مقرا به، وأن يباع بغير جنسه، وأن لا يقصد بالبيع ضرر المديان، وأن يكون الثمن نقدا»([1]).

وقد نظم هذه الشروط الشيخ ميارة بقوله:

شروط بيع الديـن ستة تـرى

 

حضور مديـان مقـر لا امترا

وبيعـه بغيـر جنس ونقــد

 

ثـمنـه  ولا عداوة  تـرد

وليس ذا الدين طعاما واختلف


 

في أجل السلم إن عرض وصف([2])

وبيان هذه الشروط كما يلي:

1- إقرار المدين بالدين بحيث تنحسم معه مادة الخصومة والمنازعة.

2- حضور المدين لأن المبيع متعلق بذمته.

3- تعجيل الثمن.

4- انعدام العداوة بين المشتري والمدين.

5- ألا يكون الدين طعاما لعدم جواز بيع الطعام قبل قبضه.

6- أن يكون البيع بغير جنس الدين سدا لذريعة الربا.

هذه إشارة سريعة مقتضبة لمسألة بيع الدين وأقسامه وشروطه الجائزة منه، والذي يعنيني منها التوطئة والتمهيد إلى المسألة التي جرى العمل فيها بخلاف المشهور، ألا وهي إمضاء بيع الدين دون حضور المدين، مع العلم أن حضوره مما اشترطه الفقهاء لجواز هذا النوع من البيوع.

وتظهر فائدة هذا الشرط في تحصيل العلم بحال المدين من غنى أو فقر، «وذلك لأن الدين المشترى يختلف مقدار عوضه باختلاف حال الذمة من فقر أو غنى، والبيع لا يصح أن يكون مجهولا»([3]).

والصورة التي جرى فيها العمل بجواز بيع الدين دون حضور المدين هي المصطلح على تسميتها بقلب الرهن، جاء في نظم العمل الفاسي:

وشـاع من صور بيع الدين

 

ما وسموه الآن قلب الرهن

يبيع دينـه المؤجـل بمـا

 

به يجوز أن يبيعـه كما

إن كان عينـا دينه بسلعـة

 

نقدا مع الشروط جوز بيعه

وحل مشتر بذا الدين محـل

 

بائعه في كل ماله حصـل

من حوز رهنـه ومنفعتـه

 

إن جعلت له على هيئته

والبيع للرهن بتفويض جعل

 

لبائع الديـن كذاك ينتقـل

قال الشيخ ميارة موضحا هذه الصورة:

«من صور بيع الدين الذي الكلام فيه المسألة الملقبة عند العامة بقلب الرهن، وذلك أن يكون بيد الإنسان رهن في دين مؤجل، ثم يحتاج إلى دينه قبل الأجل، فيبيع ذلك الدين المؤجل بما يجوز أن يباع به، كما إذا كان دينه دنانير أو دراهم كما هو الغالب في بيع الرهن فيبيعه بسلعة نقدا مع اعتبار بقية شروط جواز بيع الدين (...)، ويحل المشتري للدين المذكور محل بائعه المرتهن أولا في الحوز والمنفعة إن جعلت له، والبيع للرهن بالتفويض الذي جعل للمرتهن البائع للدين وغير ذلك»([4]).

واشتراط حضور المدين وإقراره هو القول المشهور في المذهب، لكن جرى العمل بمقابله أي جواز البيع دون حضور المدين ولا إقراره، وذلك إذا كان الرهن محوزا والدين ثابتا.

وقد نص الشيخ التسولي على هذا العمل بقوله:

«جرى العمل ببيع دين الغائب من غير حضوره ولا إقراره في المسألة الملقبة عند العامة اليوم بقلب الرهن»([5]).

كما ورد في المعيار أن ابن القاسم أجاز بيع الدين على الغائب في سماع عيسى بن معاوية، وقال به أصبغ في نوازله، كما رواه أبو زيد عن مالك، ونقل الإمام المازري في شرح التلقين أن ابن المواز يجيز هذا البيع على الغائب غيبة قريبة وكان على الدين بينة([6])، وكلها أقوال غير مشهورة حسب ما نص عليه الشيخ القباب.([7])

قال العلامة سيدي محمد ميارة: «والذي جرى به العمل عندنا في الرهان بيع الدين من غير حضور المدين، ولعله ارتكاب لمقابل المشهور لقلة الغرر مع ثبوت الدين وحيازة الرهن»([8]).

والحاصل أن مشهور المذهب في هذه الصورة وهو اشتراط حضور المدين وإقراره قد خولف وجرى العمل بمقابله وهو إجازة البيع في غيبة المدين، لكن مع ثبوت الدين وقبض الرهن، وهذا إذا كان الغرر مأمونا، خاصة وأن الشرطين المذكورين أي حضور المدين وإقراره ذوا طابع احتياطي، وأن العلماء حينما أجازوا الإمضاء مع الغيبة جعلوا حيازة الرهن وثبوت الدين بالبينة أمارة على استقرار المعاملة، وأقاموها مقام شرط الحضور.

 

الهوامش:


([1]) المسائل الملقوطة من الكتب المبسوطة، لأبي اليمن محمد بن الإمام القاضي برهان الدين بن فرحون، ص161، اعتنى به وصححه جلال علي القذافي الجهاني، الطبعة الأولى 1424 هـ / 2003 م، دار ابن حزم، بيروت.

([2]) شرح ميارة للتحفة 1/520.

([3]) شرح العمل الفاسي للسجلماسي 1/100.

([4]) شرح ميارة على التحفة 1/520، وتحفة أكياس الناس ص 122-123.

([5]) البهجة في شرح التحفة 2/91.

([6]) المعيار 5/292.

([7]) نفسه 5/292.

([8]) شرح ميارة على التحفة 1/521.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[12]

إنما لزم بيع الجائع العاقل مع وصف الإكراه لما في إمضائه ولزومه من مصلحة حفظ النفوس.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[11]

ما جرى به العمل من لزوم بيع المضغوط وإمضائه، مبناه على قاعدة مقصدية ترجيحية تقريرها حفظ النفوس مقدم على حفظ الأموال.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[10]

جرى العمل بنفوذ بيع المضغوط أخذا بقول ابن كنانة وفتوى اللخمي واختيار السيوري.