شذور ذهبية

ذكر معرفة النفس [4]

 

يقول الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي(ت543هـ)

رحمه الله:

ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق العالم الأكبر كله للعالم الأصغر نعيماً للطائع وعذاباً للعاصي، ولذلك جعل العالم الأصغر فريقين، لمَّا خلق العالم الأكبر دارين، وبهذه المعاني سمي الخالق البارىء المصور، فإن الخالق هو الموجد المُقَدِّر، والباري هو الموجد المصور، والمصور هو المظهر لتركيبها وصورها، والخالق أيضاً هو المخترع، والباري هو المصور على مثال، والمصور هو الجاعل له على هيئات وليس إيجاده لما أوجده على مثال للحاجة إليه، ولكنه سبحانه هو القادر المريد، إن شاء أن يوجد ابتداءً أوجد، وإن شاء أن يوجد على مثال أوجد، وله في ذلك القدرة الواسعة والحكمة البالغة.

(...)وقد ارتبطت هذه الأسماء الثلاثة في حق الباري سبحانه بجميع المخلوقات ارتباطاً عاماً على اختلاف متعلقاتها كلها عموماً وخصوصاً حسبما رتبناه مبيناً في كتاب "الأمد الأقصى في الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال العدلى"، فلينظر ففيه العجب العجاب من لباب الألباب، ومنه يفتح إلى المعرفة في ذلك كلُّ باب. وهذا تحقيق عظيم فيه كلام طويل تنفجر منه ينابيع معارف لا تحصر، هذا قانون فيها.

وقد رُوِيَ أن العَالَمَ الأصغر إذا انتهى إلى العَالَم الأكبر تَمَنَّى أخيراً أن يرى منه ما رأى في الأولى، فَرُوِيَ أنه يتمنَّى في الجنة أن يكون له ولد[1] وإبل، وفرس، وسوق[2] ، وزرع، وقيل لهم: قولوا ما تريدون فإنه كائن.

(وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [الزخرف: 71].

ولدينا مزيد مما لا تعلمون.

قانون التأويل

        للإمام القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي 

ص: 464-465-466-467. 

دراسة وتحقيق

محمد السليماني

- دار القبلة للثقافة الإسلامية                                                 مؤسسة علوم القرآن

                     جدة                                                                                      بيروت

  الطبعة الأولى

     1406  هـ - 1986م

دار القبلة للثقافة الإسلامية                              مؤسسة علوم القرآن

جدة:المملكة العربية السعودية                                 دمشق- سوريا       

 

 

الهوامش:

 


[1]  روى ابن ماجه عن أبي سعيد الخُدْرِي قال: "قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: المؤمن إذا اشتَهَى الولد في الجنة كان حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ يَتِمُّ في ساعة وَاحِدَةً كَمَا يَشتَهي". أبواب الزهد رقم: 4394. ورواه الترمذي في صفة الجنة رقم: 2566، وَنَحْوُهُ في صحيح ابن حبان (موارد الظمآن للهيثمي: 655).

[2]  أخرج ابن ماجه في أبواب الزهد رقم 4392 (ط: الأعظمي) عن سعيد بن المسيِّب أنه لقي أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أوَ فيها سوق؟ قال: نعم أخبرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوها بفضل أعمالهم ... الحديث، ورواه الترمذي في صفة الجنة رقم: 2552، وقال: هذا حديث غريب.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

بَاب طَبَقَات كتب الحَدِيث(1)

لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَاف الْمصَالح، فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك، وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تلقّي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة.

ذكر معرفة النفس [3]

لم يبعد أن يخلق الباري سبحانه الجنة والنار وهو الخلق الأعظم، ثم خلق السموات والأرض بما فيهن وبينهن، وهو الخلق الأوسط وخلق الإنسان آخراً، وخاتمة بعد تمام المخلوقات كلها، وهو الخلق الأصغر.

ذكر معرفة النفس [2]

إذا رأى العبد ما هو عليه من الخروج من حالة عدم إلى حالة وجود، والانتقال من صفة إلى صفة، والاختصاص بحالة دون حالة، بالمزايا الشريفة من العلم والنطق والتدبير والحياة والقدرة، علم أنه موجود لموجد قادر.