مالكيات

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[5]

د/مولاي إدريس غازي.

باحث بمركز دراس بن إسماعيل.


المسألة الثانية: الـرد بالعيـب فـي الدواب

من الثابت في المذهب أن المشتري إذا اكتشف عيبا في مشتراه له الرجوع على البائع ورد مبيعه مطلقا دون تقييد بمدة زمنية معينة، وسواء كان المبيع من الدواب أم غيرها، وذلك إذا توافرت شروط هذا الرد وانتفت موانعه.

أما الشروط([1]) فحصرها الفقهاء في ثلاثة وهي:

أ- أن يكون العيب موجودا في المبيع وقت التبايع وليس طارئا بعده.

ب- أن لا يكون المشتري على علم بالعيب المذكور وقت العقد، فإن كان عالما به ولم يبد اعتراضا فلا قيام له به بعد ذلك.

ج- عدم اشتراط البراءة من العيب إذا كان المبيع من الرقيق أو الحيوان.([2])

وأما الموانع فأربعة وهي:

أ- رضا المشتري بالعيب بعد الاطلاع عليه.

ب- زوال العيب قبل قيام المشتري به إلا إذا لم تؤمن عودته.

ج- فوات المبيع بيد المشتري.

د- حدوث عيب جديد في المبيع.

غير أن للفقهاء نظرا خاصا فيما إذا كان المبيع من الدواب، حيث تقرر لديهم في شأنها أن المشتري إذا اطلع على عيب قديم فيها فإن له القيام به خلال شهر ابتداء من يوم التعاقد، أما إذا انصرم الشهر وثبتت براءة البائع من التدليس، فلا قيام للمشتري به ولو أثبت قدمه بشهادة البياطرة. أما إذا ثبت أن البائع كان عالما بالعيب ودلس به على المشتري فله الرد ولو بعد شهر، مع العلم أن المشتري مطالب بإثبات العيب وقدمه داخل الأجل المذكور.([3]) وبهذا جرى العمل بفاس، قال سيدي عبد الرحمن الفاسي:

وبعد شهر الدواب بالخصوص

 

بالعيب لا ترد فافهم النصوص

قال السجلماسي في شرحه لعمليات فاس: «الذي جرى به العمل بفاس أن الدواب لا يردها المشتري بعيب يقوم به بعد الشهر من يوم الشراء، ولو أثبت قدمه بشهادة البياطرة على حسب اجتهادهم ودليل معرفتهم»([4]).

وقد انبنى صرح هذا العمل على فتوى الإمام العبدوسي التي تناقلتها كتب النوازل التي تعرضت لمسألة الرد بالعيب في الدواب، قال العلمي في نوازله:

«وسئل أبو عبد الله القوري بما نصه: سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، ذكر عن الفقيه سيدي عبد الله العبدوسي رحمه الله أنه كان يفتي في عيوب الدواب بأنه لا قيام فيها بعد شهر من تاريخ البيع. بين لي هل هذا النقل صحيح أم لا؟

فأجاب: كان الفقيه الحافظ شيخنا سيدي عبد الله العبدوسي رحمه الله يفتي في الدواب خاصة أن لا ترد بعيب بعد مضي شهر، ووجهه والله أعلم، كون الحيوان سريع التغير لا يكاد يبقى على حالة واحدة، وكون البياطرة جهلة قليلي الدين، راعى الشيخ مصلحة العامة. فأما غير الدواب من الرقيق وغيره فلم يحد في ذلك حدا وكتب محمد بن قاسم القوري»([5]).

فالأصل إذن في العمل المذكور فتوى الإمام العبدوسي التي عول عليها العلماء فيما بعد كالقوري وعلي بن هارون والقاضي المكناسي والشيخ عبد القادر الفاسي وابن غازي، وباختيارهم مضى العمل إفتاء وقضاء.

والمستفاد من بحوث الفقهاء في الموضوع أن تقييد الرد بالعيب في الدواب خاصة بالمدة المذكورة لوحظت فيه المعاني الآتية:

أ- الحفاظ على استقرار المعاملات بحسم مادة النزاع والتقليل من أسباب التشغيب وقطع الطريق على احتيال النخاسين، قال سيدي عبد القادر الفاسي في نوازله:

«ولعلهم خصوا الدواب بذلك لكثرة تعاطي النخاسين لشرائها وشدة احتيالهم فيها دون غيرها من الأنعام، لأنها غير مرادة للخدمة والامتهان كما في الدواب، فقصدوا إلى تقليل التنازع ورفع الشغب على الحكام باقتصارهم على هذه المدة التي يتبين العيب القديم فيها غالبا»([6]).

ب- أن مدة الشهر كافية لتقليب الدواب واختبارها بالحمل والركوب. قال الشيخ المهدي الوزاني في نوازله الصغرى:

«وفي نوازل القاضي سيدي محمد بن الحسن المجاصي رحمه الله أنه سئل عن عيوب الأنعام، هل الحكم فيها كالحكم في عيوب الدواب من أنه لا قيام للمبتاع بعيب يجده بعد شهر من تاريخ البيع.

فأجاب: الذي وقع في عبارتهم من عدم الرد بعد شهر إنما هو في الدابة، وهي في العرف عند الفقهاء ذات الحوافر لا ذات الظلف كالأنعام، وليست العلة قلة الديانة فقط، بل لأن الشهر مظنة التقليب والاختبار بالحمل والركوب، وهذا المعنى موجود في الدواب لاهتمام الناس بشأنها، بخلاف الأنعام فافترقا»([7]).

ج- ما لوحظ على أغلب البياطرة([8]) من قلة الأمانة وفشو الجهل وكثرة جرأتهم وقلة صدقهم وتواطئهم مع من له المصلحة في القيام بالعيب دون وجه شرعي.

 

المستفاد من بحوث الفقهاء في الموضوع أن تقييد الرد بالعيب في الدواب خاصة بالمدة المذكورة لوحظت فيه معنى الحفاظ على استقرار المعاملات بحسم مادة النزاع والتقليل من أسباب التشغيب وقطع الطريق على احتيال النخاسين.

 

الهوامش: 

 


([1])- انظر القوانين الفقهية لابن جزي ص 228، طبعة جديدة منقحة دون ذكر اسم الناشر ولا تاريخ الطبع.

([2])- انظر النوازل الكبرى للوزاني، 5/570.

([3])-انظر النوازل الكبرى للوزاني، 5/535.

([4])- شرح العمل الفاسي للسجلماسي 1/110.

([5])- كتاب النوازل، للشيخ عيسى بن علي الحسني العلمي 2 /25، تحقيق المجلس العلمي بفاس، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1406 هـ / 1986 م، مطبعة فضالة، المحمدية.

([6])- تحفة أكياس الناس ص 130، وشرح العمل الفاسي للسجلماسي 1/110، والنوازل الصغرى المسماة المنح السامية في النوازل الفقهية، للشيخ محمد المهدي الوزاني 3/30، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1413 هـ / 1993 م، مطبعة فضالة، المحمدية.

([7])- النوازل الصغرى للوزاني، 3/29-30.

([8])- نص السجلماسي على أن العيب الذي لا يحتاج إلى البياطرة في ثبوته وثبوت قدمه، وكذلك العيب الذي شهد العدول بمعاينته عند البائع قبل البيع، فللمشتري أن يرد به مطلقا دون تقيد بالشهر. انظر شرح العمل الفاسي، 1/111.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[8]

المراد بالضرورة الحاجة إليه لإصلاح الأرض به حتى تجود للزراعة، وإليه الاشارة بقولنا للزبل بفتح الزاي مصدر زبلت الأرض أصلحتها بالزبل ونحوه، ومثل ذلك الحاجة إليه للطبخ به.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[7]

المستفاد من هذا النقل أن المشتري يبالغ في التفتيش عن العيوب لا لشيء إلا بقصد الحط من الثمن، والتضييق على البائع في مطالبته بالأعواض عن العيوب، مع رغبة المشتري في الاحتفاظ بالمبيع، وهذا فيه إلحاق الضرر بالبائع كما فيه دلالة على سوء قصد المشتري، فتعين إلحاق العيب المتوسط بالعيب الكثير سدا لذريعة التضييق على البائع.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[6]

إنكار الهلالي على أهل فاس العمل بعدم رد الدواب بالعيب بعد شهر غير سديد، إذ لا يلزم من عدم اطلاعه هو على المستند أن لا يكون للعمل المذكور مستند