مالكيات

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[6]

د/مولاي إدريس غازي.

باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

إلا أن الشيخ أبا العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي بحث في أصل هذا العمل حيث استشكل مستنده، وانتقد على الفقهاء أخذهم به والعدول عن الأصل المذهبي الثابت في المسألة حيث قال: «ما جرى به عمل فاس من عدم رد الدابة بالعيب إذا قام به المشتري بعد شهر لا نعرف لذلك مستندا إلا فتوى صدرت من سيدي عبد الله العبدوسي شيخ القوري، فجعلوها قاعدة مطردة. واستثنى منها معاصر شيوخنا سيدي الحسن بن رحال، الذباب فإنه ترد به الدابة ولو بعد أكثر من شهر لأنه لا يظهر إلا بعد طول، واعتذروا لهذه الفتوى بقلة أمانة البياطرة والناس، فقصدوا إلى تقليل الشغب على الحكام، فاقتصروا على التي يظهر فيها العيب غالبا.

ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار، إذ يلزم مثله في بهيمة الأنعام وفي الرقيق أكثر، وأنهم حافظوا على حق البائع فأخَلوا بحق المشتري، فقد يكون العيب لا يظهر إلا عند الاستعمال أو في السفر خاصة كعدم حمل معتاد، وقلة أكل العلف، ويكون المشتري لم يستعملها أو لم يسافر بها إلا بعد شهر، ويجد من يوثق به شهد له بقدم العيب ويعرفها معيبة عند البائع، أو يعترف بذلك البائع، فكيف يقال: لا ترد عليه بعد شهر؟ والبياطرة لا يتوقف عليهم في كل عيب، بل كثير من عيوب الدواب أو أكثرها لا يتوقف على البياطرة، والأمان والصدق كما قل في المشتري قل في البائع، بل هو فيه أقل، فتراه يحلف عند البيع ويطري سلعته بما ليس فيها، ويبالغ في إخفاء ما يكرهه المشتري منها، إلا من عصمه الله، وقليل ما هم، فالصواب ركوب جادة المذهب، وترك تلك الفتوى، خصوصا في النازلة التي وقعت فيها، وإمامة سيدي عبد الله العبدوسي لا تنكر، وليست تقتضي أن يترك المذهب كله وتلغى جميع نصوص أئمة المذهب لفتواه التي لم يظهر لها مستند، ولعله راعى شيئا لا يوجد عند من يريد تعدية فتواه وجعلها قاعدة مطردة، والله أعلم»([1]).

لكن بحث الهلالي للعمل المذكور لم يؤخذ مأخذ التسليم ولا الاعتبار من طرف الشيخ المهدي الوزاني الذي عاب عليه مخالفة ما جرى به العمل، جاء في نوازله الصغرى ما نصه: «إن من أفتى ببحث الهلالي في هذا العمل إنما أراد إضرام نار الفتن، إذ لا وجه للعدول عما اتفق عليه الأئمة وجرى به عملهم في أعصار متطاولة إلى ما قاله واحد منهم فقط، مع أنه لم يقله أحد قبله ولا تبعه عليه من عاصره ولا من جاء بعده، فعلى تقدير صحته لا يجوز الإفتاء به لأنه بلغ الغاية في الضعف، والفتوى إنما تكون بالراجح أو المعمول به، ولذا اعترضوه عليه، كما نقله التسولي، وبالغ في اعتراضه أيضا ابن عبد السلام بناني، كما نقله عنه بعضهم»([2]).

وفي نوازله الكبرى أيضا أورد الشيخ الوزاني نقدا تفصيليا لدعوى الهلالي مبينا فيه عدم سداد إنكاره للعمل المذكور وأن بحثه ساقط الاعتبار. جاء في المعيار الجديد ما نصه: «وأما إنكار الهلالي على أهل فاس العمل بعدم رد الدواب بالعيب بعد شهر قائلا: إنه لم يظهر له الخ، فغير سديد، إذ لا يلزم من عدم اطلاعه هو على المستند أن لا يكون للعمل المذكور مستند؛ على أنه قصور، لأنه تقدم في كلام الإمام القوري بيان مستند العمل المذكور.

وقوله: واعتذروا لهذه الفتوى بقلة أمانة البياطرة الخ، هذا من تحليل المركب والاقتصار على بعضه، إذ العلة هي قول المدونة: لا يكاد الحيوان يبقى على حال، وضم إلى ذلك جهل البياطرة وكثرة جرأتهم (...)، فالعلة اجتماع أمور لا واحدة فقط. ولا يخفى أن ذلك شاهد لفتوى العبدوسي والعمل المذكور، لأن الدواب إذا كان فيها عيب كامن، الغالب أنه يظهر في هذه المدة: وقوله: «إذ يلزم مثله في بهيمة الأنعام» الخ، هذا تقدم جوابه في كلام ابن غازي، وهو أن الدواب مرادة للخدمة والامتهان، فيظهر العيب القديم فيها في أقرب مدة، بخلاف الأنعام الخ.

وأما قوله: في الرقيق أكثر الخ، فغير سديد، لأن الرقيق يكتم عيبه لرغبته في بعض السادات، فلا يظهر فيه العيب في هذه المدة.

وأما قوله: فقد يكون العيب لا يظهر إلا عند الاستعمال الخ، فهذا نادر كما يدل عليه قوله (فقد يكون) الخ، والحكم إنما هو للغالب، تأمله.

وأما قوله: ويجد من يوثق به إلى قوله أو يعترف بذلك البائع الخ، ففيه نظر، لأن محل العمل ما لم يثبت أن البائع كان عالما بالعيب ببينته أو بإقرار البائع، وإلا فترد عليه ولو بعد شهر، لأنه حينئذ مدلس، وهو يرد عليه مطلقا»([3]).

ثم خلص الشيخ الوزاني إلى القول: «والحاصل أن العمل مستمر، والبحث فيه ساقط»([4]).

الهوامش: 

 


([1]) انظر النوازل الكبرى للوزاني 5/537- 538، وكذلك 5/555.

([2]) النوازل الصغرى للوزاني، 3/33.

([3]) النوازل الكبرى، 5/538-539.

([4]) النوازل الكبرى، 5/540.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[5]

المستفاد من بحوث الفقهاء في الموضوع أن تقييد الرد بالعيب في الدواب خاصة بالمدة المذكورة لوحظت فيه معنى الحفاظ على استقرار المعاملات بحسم مادة النزاع والتقليل من أسباب التشغيب وقطع الطريق على احتيال النخاسين.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[4]

اشتراط حضور المدين وإقراره هو القول المشهور في المذهب، لكن جرى العمل بمقابله أي جواز البيع دون حضور المدين ولا إقراره، وذلك إذا كان الرهن محوزا والدين ثابتا.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[3]

المتعاقدان محمولان على المعرفة حتى يثبت الجهل وعلى جواز الأمر حتى يثبت السفه، وعلى الرضا حتى يثبت الاكراه، وعلى الصحة حتى يثبت السقم.