شذرات القرويين

أبو القاسم بن محمد الوزير الغسّاني الفاسي(ت1019)هـ من رُوّاد علم النّبات الطبيّ(5)

ذ. عبد العلي بلامين

باحث بمركز درّاس بن إسماعيل:

 

2- 2 مصادر الطبيب الغساني العلمية:

يستند الوزير الغساني في شرح ماهية النّبات الطبيّ، وتحديد موقعه الجغرافيّ وخواصّه العلاجية إلى جملة من المصادر العلمية الرصينة، منها:

- المُعاينة الميدانية من خلال الرحلات الاستكشافية التي كان يقوم بها، وممّا يشهد لذلك قولُه في وصف مكان نبات "الحَلحال": "...منابته الجبال والأرض الصلبة، ولقد رأيتُه كثيراً ووقفتُ عليه بجبال تاغيا، وقطفته هنالك بيدي على مقربة من ضريح الشيخ سيدي أبي يَعزى"[1].

- والدُه الذي أخذ عنه الطب -كما تقدّم في ترجمته- وقد صرّح الوزير الغساني في مواضع من كتابه "حديقة الأزهار" ببعض المعارف المتعلقة بالنبات الطبيّ التي أخذها عن والده وأستاذه، منها قوله في وصف عشبة "آزَرغنت": "...ولقد حدّثني والدي- رحمه الله- أنه وقف عليه، ورأى شجرته بموضع يقال له: سُليلجو على مقربة من ضريح الولّي الصالح سيدي يحيى بن بكّار –رحمه الله- من عمل فاس"[2].

- مقالات بعض الأطباء والحكماء الذين سبقوه كجالينوس[3](ت.200م تقريباً)، وأبي بكر الرازي[4] (ت.311هـ)، وأبو القاسم الزهراوي، وابن سينا[5] (ت.427هـ)، وابن الخطيب[6] (ت.776هـ)، وابن عبدون الطبيب[7] وهو الأندلسيّ وفق ما أفادت به بعض القرائن الواردة في "حديقة الأزهار"، منها قول الوزير الغساني عند تحديد مكان "الخولنجان": "...وذكر ابن عبدون أنّ نباته بأرض الأندلس كثير، ولقد رآه وجمعه بيده بجبال الصّقالبة بقرطبة... وقال أيضاً: هو كثير بناحية جَيان، وبالجزيرة الخضراء وجبل شنير بأعلى غرناطة..."[8].

والمُطالع كتاب "عُمدة الطبيب"[9] لأبي الخير الأشبيلي (ق.6هـ) يستشف استفادة الطبيب الغساني منه منهجيّاً ومعرفيّاً وإن لم يُصرّح بذلك.

- مقالات التُّجار والرّحالة الموثوق بهم، قال في بيان مكان "خرّوب السودان" ما نصّه: "حدّثني مَن أثِق به من التُّجار المسافرين للسّودان أن شجرتَه تُشبه شجرة النارنج شكلاً وورقاً، ولا تمتاز عنها إلا بثمرها..."[10].

خاتمة:

ممّا يمكن الخلوص إليه في ختام هذه المقالة ما يأتي:

- يعتبر الطبيب الوزير الغساني واحداً من خرّيجي جامعة القرويين بفاس، التي تُعدّ نواة المنظومة التعليمية المغربية الأصيلة التي أنتجت علماء عظام أغنوا المكتبات العلميّة ببحوث رصينة كان لها كبير الأثر في النهضة العلميّة الحديثة والمعاصرة.

- لقد كان الطبيب الوزير الغساني عالماً مُتخلّقاً خادماً لدينه ووطنه، مُسخّراً علومه ومعارفه لخدمة الإنسانية جمعاء، متقرّباً بجميع ذلك إلى الله عزّ وجلّ، فلقد تربّى في المدرسة المغربية الأصيلة على أنّ الأعمال إذا عَرِيَت عن القُصود لم تتعلّق بها الأحكام.

- لقد كان الطبيب الغسّاني إلى جانب تمكُّنه من علم النبات الطبيّ، أديباً ومُلمّاً باللغات الأجنبية وناسخاً، وهي مهارات ووسائل تواصليّة مكّنته من الفهم والإفهام؛ بتقريبه مختلف المعارف الطبيّة من خاصة الناس وعامتهم، وبانفتاحه واطلاعه على جديد الإنتاجات الطبيّة الأجنبيّة وترجمتها إلى اللغة العربية، وبانتساخ الكتابات الطبية ومراجعتها لتنشر صحيحة سالمة من الأخطاء التي قد تصدر عن ناسخ ليست له معرفة بالطب وبلغة التأليف.

- إن ما بلغنا عن الطبيب الوزير الغساني من إسهامات منهجية ومعرفية في علم النبات الطبيّ ليُؤكّد كونه رائدا من رُوّاده، خصوصاً ما أسهم به في كتابه: "حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقّار" من معارف ومناهج شهد بجِدَّتِها وأهمّيّتها كثير من العلماء والباحثين المختصّين في هذا المجال.

 

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة:

1-مصادر ومراجع باللغة العربية:

- الأعلام، للزركلي. دار العلم للملايين، بيروت- لبنان، ط. 17: (1427هـ-2007م)

- تاريخ الوراقة المغربية، صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة، لمحمد المنوني منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط- المملكة المغربية، ط.1: (1412هـ-1991م)

- حديقة الازهار في ماهية العشق والعقار"، للوزير الغساني. تحقيق: محمد العربي الخطابي. دار الغرب الإسلامي، بيروت- لبنان، ط. 2: (1410هـ-1990م)

- الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين، لمحمد حجي. منشورات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر.

- دراسة في كتابي "عمدة الطبيب" لأبي خير الإشبيلي و"حديقة الأزهار" للوزير الغساني، هاديات من التراث لتطوير علم النبات الطبي بالمغرب. للدكتور جمال بامي، نشر مركز ابن البنّا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، التابع للرابطة المحمدية للعلماء، دار أبي رقراق، ط.1: (1433هـ-2012م).

- درّة الحجال في غُرّة الرجال، لابن القاضي المكناسي. تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط.1: (1423هـ-2002م).

- روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس، لأحمد بن محمد المقري، المطبعة الملكية، الرباط- المملكة المغربية، ط.2: (1403هـ- 1983م).

- عمدة الطبيب في معرفة النبات، لأبي الخير الأشبيلي. تحقيق: محمد العربي الخطابي. دار الغرب الإسلامي، بيروت- لبنان، ط. 1: (1415هـ-1995م).

- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، للمقري، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت- لبنان، ط.1: (1417هـ-1997م).

2- مراجع باللغة الفرنسية:

    - Histoire de la médecine au Maroc, des origines à l'avènement du Protectorat, Mustapha AKHMISSE .Communication présentée à la séance du 28 mars 1992 de la Société française d'Histoire de la Médecine consacrée à l'Histoire de la Médecine au Maroc. HISTOIRE DES SCIENCES MÉDICALES - TOME XXVI - №4 – 1992.

- Renaud H.P.G. Etat de nos connaissances sur l’histoire de la médecine ancienne au Maroc. Bulletin de l’Institut des hautes études Marocaines. Paris, N°1, Décembre, 1920.

الهوامش:

 


[1]-حديقة الأزهار، للغساني، مصدر سابق، ص.15.

[2] -حديقة الأزهار،للغساني، مصدر سابق، ص. 8. وانظر المصدر نفسه، ص.85، 107.

[3] -انظر المصدر نفسه، ص.124، 207.

[4] -انظر المصدر نفسه، ص. 179.

[5] -انظر المصدر نفسه، ص.205.

[6] -انظر المصدر نفسه.

[7] -انظر المصدر نفسه، ص. 247.

[8] -المصدر نفسه، ص. 316.

[9] -عمدة الطبيب في معرفة النبات، لأبي الخير الأشبيلي. تحقيق: محمد العربي الخطابي. دار الغرب الإسلامي، بيروت- لبنان، ط. 1: (1415هـ-1995م).

[10] -حديقة الأزهار،للغساني، مصدر سابق، ص. 324.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(3)

لئن كان القلم الفاسي قد اشتهر وارتبط بتقييد التركات وما يخشى وقوع التزوير فيه، فقد استخدمه العلماء والنساخ كذلك في تأريخ المخطوطات.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(2)

من أوجه عناية وتميز علماء فاس بعلوم الحساب أن ابتكروا حساب القلم الفاسي، وهو طريقة فريدة من نوعها استخدمت بقصد منع التزوير والتلاعب في الوثائق خاصة فيما يخص التركات، كما استخدم في تأريخ بعض الكتب والمؤلفات.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(1)

استمرت جامعة القرويين – القلب النابض لمدينة فاس- عامرة تواصل سيرها الحثيث، متخطية كل الصعاب ومتحدية كل العقبات تؤدي رسالتها العلمية والحضارية من جيل إلى جيل، محافظة بذلك على التراث الإسلامي وأصالة الأمة المغربية.