مالكيات

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[7]

د/مولاي إدريس غازي.

باحث بمركز دراس بن إسماعيل.


المسألة الثالـثة: العيب المتوسط في الأصـول

العيب المتوسط كالعيب الكثير في عدم الرجوع بقيمته إذا كان المبيع من الأصول، إذ من المعروف في المذهب أن عيب الأصول([1]) المبيعة على ثلاثة أقسام:([2])

- عيب قليل وحكمه عدم رد المبيع به ولا رجوع للمشتري على البائع بقيمة العيب اليسير.

- عيب وسط وحكمه عدم رد المبيع به بالنسبة للمشتري، لكن له أن يرجع بقيمة العيب إلا إذا خيره البائع بين رد المبيع أو الاحتفاظ به على حاله دون تعويض على المشهور.

- العيب الكثير أو الفاحش، وحكمه رد المبيع به مطلقا إن قام به المشتري وليس له الرجوع بقيمة العيب على البائع. جاء في التحفة:

 

   ومـا من الأصول بيع وظهر    للمشتري عيب به كان استتر

     فـإن يكـن ليس لـه تأثيـر        فـي ثمـن فخطبه يسيـر

  ومـا لمن صـار له المبيـع        رد ولا بقيـمـة رجـوع

  وإن يكن ينقص بعض            كالعيب عن صدع جدار بين

  فالمشتـري له الرجوع هاهنا       بقيمـة العيب الذي تعينــا

وإن يكن لنقص ثلثـه اقتضى       فما علا فالـرد حتم بالقضـا

 

 

قال الشيخ ميارة: «فإن كان المشترى أصلا فلا يخلو العيب الذي ظهر فيه من ثلاثة أوجه، الأول: لا يرد المبيع ولا يرجع المشتري على البائع بقيمته ليسارته يريد كالشرفات يجدها منهدمة. الثاني لا يرد به ويرجع المشتري بقيمته كصدع في حائط ونحوه. الثالث: ترد من أجله كصدع جدار يخشى سقوط الدار منه»([3]).

لكن جرى العمل عند أهل فاس بإلحاق العيب المتوسط بالعيب الكثير والتسوية بينهما في الحكم، أي أن مشتري الأصول إذا وجد فيها عيبا متوسطا فهو بالخيار بين رد المبيع أو الإمساك، ولا رجوع له بقيمة العيب ما دام المبيع قائما فإن فات رجع بقيمة العيب، وهكذا فقسمة العيوب في الأصول حسب القول المشهور ثلاثية: يسير مغتفر ومتوسط موجب للقيمة وكثير موجب للرد، وهي حسب مقابله المعمول به ثنائية: يسير وكثير.([4])

قال صاحب نظم العمل الفاسي:

وبالكثيـر المتوسط لحـق

 

فيما من العيب الأصول قد لحق

قال الوزاني: «يعني أن العيب المتوسط قد ألحق بالكثير في الرد به، فيجب الرد بكل منهما، ومحل ذلك فيما قد لحق الأصول من العيوب لا في العروض ولا في الحيوان»([5]).

والقول المعمول به هنا قول في المذهب حكاه الباجي عن بعض الأندلسيين في التوضيح، وقال فيه المازري إنه موافق لمقتضى القياس([6])، وبه أفتى العلامة ابن سودة وبفتواه جرى العمل بفاس([7])

وقد بنيت هذه الفتوى على معنى مصلحي قرره المواق بقوله: «لما صار العيب اليسير(أي المتوسط) في الدور لا يلزم الرد به (على المشهور)، ويحكم للمبتاع أن يرجع بالقيمة، انفتح بسبب هذا باب الترخيص في الدين، تجد الرجل بعد الشراء يفتش عيوبا لينحط له بذلك شيء من الثمن، مع اغتباطه بالمبيع وقد يعطاه ربح فيه»([8]).

والمستفاد من هذا النقل أن المشتري يبالغ في التفتيش عن العيوب لا لشيء إلا بقصد الحط من الثمن، والتضييق على البائع في مطالبته بالأعواض عن العيوب، مع رغبة المشتري في الاحتفاظ بالمبيع، وهذا فيه إلحاق الضرر بالبائع كما فيه دلالة على سوء قصد المشتري، فتعين إلحاق العيب المتوسط بالعيب الكثير سدا لذريعة التضييق على البائع، وحسما لمواد الفساد المترتب عن الجري مع القول المشهور، وتم إجراء العمل بمقابله بحيث لو وجد المشتري عيبا متوسطا في أصل من الأصول فليس له الرجوع بقيمة العيب، وإنما هو بالخيار بين الرد أو الاحتفاظ بالمبيع كما هو.

ومن النوازل المتنزلة على هذا الأصل ما أورده الشيخ المهدي الوزاني في نوازله الصغرى، حيث سئل «عن رجل باع دارا وذكر أن فيها عيب كذا وكذا، فقبلها المشتري كذلك، فلما دخل إليها وجد فيها عيوبا أخرى لم يذكرها البائع له وأثبتها بأرباب البصر، فأراد أن يردها على البائع وأبى البائع أن يردها، وأراد الرجوع عليه بالقيمة»([9]) فكان جوابه في هذه النازلة:

«الحمد لله وحده، المشهور عند العلماء أن العيب المتوسط في الدار لا يوجب الرد للمشتري، وإنما له قيمة العيب فقط، كما قاله في المختصر: ورجع بقيمته كصدع جدار لم يخف عليها منه، ونظمه في التحفة بقوله:

وإن يكن ينقص بعض الثمن

 

كالعيب عن صدع جدار بين

فالمشتري له الرجوع ها هنـا

 

بقيمة العيب الذي تعينـا

ولكن الذي جرى به عمل فاس على ما قاله ابن سودة أن المتوسط يلحق بالكثير، ونظمه العلامة أبو زيد الفاسي بقوله:

وبالكثيـر المتوسـط لحق

 

فيما من العيب الأصول قد يحق

وعليه، فالمشتري بالخيار إما أن يتمسك ولا شيء له، وإما أن يرد ويقبض ثمنه»([10]).

الهوامش:

 

 


([1]) الأصول على قسمين: رباع وعقارات فالأولى كالدور والحوانيت والأفران ونحوها. والثانية كالأراضي الفلاحية. انظر حادي الرفاق إلى فهم لامية الزقاق، للشيخ أحمد الرهوني ص 205، أعيد طبعه بتحقيق محمد القدوري، الطبعة الأولى 2004، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

([2]) جاء في القوانين الفقهية لابن جزي: «في أنواع العيوب وهي ثلاثة: عيب ليس فيه شيء، وعيب فيه قيمة، وعيب رد» ص 229.

([3]) شرح ميارة للتحفة 2/52.

([4]) شرح العمل الفاسي للسجلماسي 1/112.

([5]) تحفة أكياس الناس ص 132، وانظر كذلك فتح الجليل الصمد للسجلماسي ص 150.

([6]) البهجة في شرح التحفة للتسولي 2/187.

([7]) انظر حاشية أبي علي الحسن بن رحال المعداني على شرح ميارة للتحفة 2/53، مطبوع بهامش شرح ميارة للتحفة المشار إليه. والنوازل الصغرى للوزاني 3/55.

([8]) انظر شرح العمل الفاسي للسجلماسي 1/112. 

([9]) النوازل الصغرى، 3/53.

([10]) النوازل الصغرى، 3/54.

 

 

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[10]

جرى العمل بنفوذ بيع المضغوط أخذا بقول ابن كنانة وفتوى اللخمي واختيار السيوري.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[9]

تأسيسا على مبدأ الرضائية في البيع اشترط الفقهاء في البائع أن لا يكون مجبرا على إنشائه إجبارا حراما.

أصل ما جرى به العمل إبداع مغربي أصيل نظرة في نماذج من فقه البيوع عند علماء المغرب[8]

المراد بالضرورة الحاجة إليه لإصلاح الأرض به حتى تجود للزراعة، وإليه الاشارة بقولنا للزبل بفتح الزاي مصدر زبلت الأرض أصلحتها بالزبل ونحوه، ومثل ذلك الحاجة إليه للطبخ به.