أشعريات

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]14

إعداد:

د/ عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

د/ مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.


قال الناظم رحمه الله:

يجب لله الوجــود والـقدم        كذا البقاء والغنى المطلق عـــــم

وخلفه لخلقه بلا مثـــــال        ووحدة الذات ووصف والفعـال

وقدرة إرادة علم حيـــــاة        سمع كلام بصر ذي واجبـــات

قال الشارح رحمه الله: 

 

(و) السابعة (قدرة) وهي والست بعدها صفات المعاني، فالقدرة صفة تؤثر في الشيء عند تعلقها به، قاله المحلى، وهو تعريف حسن صادق بجميع الأقوال في تعيين أثر القدرة ما هو، وتفصيل ذلك أن أصل الوجود الحادث أثر لها اتفاقا، وبقاء الحادث أثرها أيضا على الأصح، أما على أن علة الاحتياج إلى المؤثر هي الإمكان فلا إشكال، وأما على أن علته الحدوث أو هما أو الإمكان بشرط الحدوث ففي العَرَض واضح؛ لأنه على الأصح لا يبقى زمانين، فيحتاج في كل لحظة إلى إيجاد جديد، والجوهر شرطُ بقائه العرض الذي هو أثر القدرة في كل لحظة، فيكون بقاء الجوهر أثرها أيضا، ونفس الذوات أثرها أيضا بناء على أن الماهيات مجعولة، وأن المعدوم ليس بشيء، والأحوال الحادثة على القول بها وهي صفات لا موجودة ولا معدومة أثر القدرة أيضا. واختلف في العدم هل تتعلق به القدرة مطلقا أو لا مطلقا، وهو مذهب الأشعري وإمام الحرمين، أو تتعلق بالعدم الطارئ اللاحق فقط، وهو مذهب القاضي الباقلاني، وعلى قول الأشعري فإذا أراد الله تعالى إعدام عرض لم يخلقه في الزمن الثاني بقدرته فيبقى معدوما، أو إعدام جرم قطع عنه مواد البقاء فيتلاشى، وهل معنى تعلقها بالعدم الأصلي على القول به أنها صالحة لأن تنسخه بالوجود مكانه، وبه صرح في شرح المقدمات، أو أنه نفسه أثرها فيما لا يزال؛ لأنه إذ ذاك ممكن، وهو مقتضى كلام الدرعي وغيره. لا يقال لو كان العدم فيما لا يزال أثرها لاقتضى ذلك أنه لولاها لم يكن، ولكان الحاصل هو الوجود، لأنا نقول فرض انتفائها فرض محال فلا يلتفت إليه، فيبقى أن حال الممكن فيما لا يزال الوجودُ أو العدم، وكلاهما ممكن، فأيهما حصل فهو أثر لها والله الموفق.

ثم نقول: للقدرة تعلق صلاحي قديم، وهو عام لوجود ما وجد أو يوجد وقت حصوله وقبله وبعده بدلا، ولعدمه كذلك، ولعدم ما لم يوجد ولا يوجد، ولوجوده أن لو وجد بمعنى أنه تعالى بالصفة التي يتأتى بها خلقه وإيجاده لألوف ألوف من أمثال هذا العالم أو أعظم أو أعظم من الأعظم، وزد ما شئت إلى غير نهاية، وإن لم يقع شيء من ذلك لعدم تعلق المشيئة به. وتتعلق تعلقا تنجيزيا بوجود ما وجد أو يوجد لا بعدمه ما دام موجودا، وبعدمه وقت عدمه لاحقا على الخلاف لا بوجوده، وبعدم ما لم يوجد على قولٍ لا بوجوده، ثم إن نسبة القدرة إلى جميع الممكنات على السواء، فليس بعضها أيسر، ولا بعضها بصعب، وإن بلغ في العظمة ما بلغ، قال تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة)[سورة لقمان، الآية: 28.]، (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)[ سورة النحل، الآية: 40.]، (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)[سورة القمر، الآية: 50.]، وأما قوله: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام)[ سورة الأعراف، الآية: 54.]، فليس المراد أنه لا يتأتى له الخلق في أقل من الستة، ولكنه علم خلقه الأناة والتثبت في تصرفاتهم، ولهذا قال في الآية الأخرى: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب)[ سورة ق، الآية: 38.]، فاحترس بقوله (وما مسنا من لغوب)؛ دفعا لما يتوهم أن هذا التماهل استراحة من تعب خلق البعض، ودفعا لقول اليهود أنه استراح يوم السبت بعد كمال خلق ذلك من الأحد إلى الجمعة، ولهذا أدخل مِن النَّاصبة على الاستغراق، أي ما مسنا من تعب أصلا لا في الأثناء ولا حين الانتهاء. 

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 هـ على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص: 56-57. 

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين) 

مطبعة التوفيق الأدبية

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]20

البصر القديم يتعلق بالموجودات من الواجبات والجائزات الذوات والصفات الوجودية تعلقا تنجيزيا فقط قديما بالنسبة للموجودات القديمة وحادثا بالنسبة للموجودات الحادثة، ولا تفاوت بين الموجودات كلها بالنسبة إلى بصره سبحانه، فكما يبصر الجلي والأجلى يبصر الخفي والأخفى.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]19

الكلام الأزلي صفة واحدة لا تكثر فيها كسائر صفات المعاني، فإن قيل: أليس الكلام يتنوع إلى أمر ونهي وخبر وغير ذلك، ولا يعقل خلوه عنها؟ قلنا: هذه الأقسام أنواع اعتبارية حاصلة بحسب المتعلقات المختلفة، فلا يتكثر الكلام في نفسه بكثرة متعلقاته، كما لا يتكثر العلم وغيره بكثرة متعلقاته.

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]18

المحال هو أن تصير الحقيقة مع بقائها عين حقيقة أخرى، أما إذا ذهبت وخلفتها حقيقة أخرى في محلها بعد زوالها وانعدامها فلا محذور فيه، وإذا صح أن تخلف الجمادية الحيوانية بالموت صح أن تخلف الحيوانية الجمادية بالإحياء، ولذلك صح البعث.