بحث و حوار

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(4)

د. عبد الرحيم السوني

باحث بمركز دراس بن إسماعيل 

 

2: المعاجم الصوفية: النشأة والتاريخ

سبقت الإشارة إلى أن المصطلح الصوفي نشأ في ضوء المحاولات التبيينية الأولى للقرآن الكريم، وخاصة تلك التي جنحت إلى الكشف عن دقائق كلام الله تعالى وحقائقه مما لا يُفْهم من ظاهر عباراته، والتي أصبحت تُعرف فيما بعد بالتفاسير الإشارية، وقد كانت هذه التفاسير اللبنة الأولى التي تأسس عليها هذا المصطلح، إلى أن أخذ يتشكل تدريجيا، وبدأت الأقوال بخصوصه تستقل شيئا فشيئا، ومن أهم الأقوال المؤسِّسَة في هذا الباب، ما قاله ذو النون المصري (ت245هـ) بشأن عدد من المصطلحات الكاشفة عن أحوال الصوفية ومقاماتهم؛ من توبة، وورع، وتقوى، ومحبة، وتوحيد ... الخ، بالإضافة إلى ما قاله الإمام الجنيد (ت 279هـ)، وأقوال أبي محمد سهل بن عبد الله التستري (ت283هـ)، وغيره ممن عاصروه أو جاؤوا بعده. وقد بقيت أقوال هؤلاء بخصوص معاني اصطلاحاتهم متفرقة بين مرويات القوم، إلى أن جاء الشيخ أبو نصر السراج الطوسي في القرن الرابع الهجري (ت378هـ) فجمع أكثر تلك المصطلحات وشرحها في قسم من كتابه "اللمع" معنونا إياها ب "كتاب البيان عن المشكلات".

وبهذا يكون السراج الطوسي أول من تكلم في مصطلحات التصوف، وأول من أخذ بزمام المبادرة في وضع عمل مرجعي للتعرف عليها([1])، وإن حاول أبو سعيد الخراز قبله (ت277 أو279هـ) أن يجمع بعض المصطلحات في كتابه "الحقائق"([2]).

ثم بعد ذلك توالت الكتابات في هذا الباب، منها: "التعرف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذي (ت380هـ)، و"قوت القلوب" لأبي طالب المكي (ت386هـ)، و"الرسالة القشيرية" لعبد الكريم القشيري (ت465هـ)، و"كشف المحجوب" للهجويري (ت465هـ)، و"إحياء علوم الدين" للغزالي (ت505هـ) بما تضمنه هذا الأخير من شرح مفصل لعدد من المصطلحات خاصة في جزئه الرابع، بالإضافة إلى كتابه "الإملاء في إشكالات الإحياء"؛ الذي يعتبر من أهم الكتب المنجزة في هذا المضمار؛ حيث بلغت مصطلحاته نحو خمسين مصطلحا، ومنها أيضا كتاب "عوارف المعارف" لشهاب الدين أبي حفص السهروردي (ت632هـ) الذي خصص فيه بابين لشرح مصطلحات الصوفية بلغت قرابة الخمسين كذلك.

الهوامش:


[1] - المعجم الصوفي، محمود عبد الرزاق، دار ماجد عسيري، جدة – المملكة السعودية، ط 1؛ 2004، 1/149.

[2] - المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل، م. س، ص: 14.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(6)

المقصد من إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو شرح الألفاظ الجارية على ألسنة القوم، والذين حاولوا من خلالها التنبيه إلى أن الألفاظ عندهم تحمل معاني خاصة، وأنها ذات طبيعة رامزة يصعب على غير الصوفي استيعاب دلالتها أو فك شفرتها، فجاءت معاجمهم موضحة ومفسرة لما اختص به القوم من حقائق طريقهم ودقائقها.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(5)

يكاد يكون كتاب "اللطائف" مستوعبا لكل الكتب التي سبقته في هذا الشأن؛ لكونه تضمن على وجه التفصيل ما يزيد على ألف وستمائة مصطلح صوفي.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(3)

الصوفي يتدبر كلمات الله ليفهم معانيها ومقاصدها ويعمل بها ويطبقها، وهذا التطبيق ُينتِجُ له فهما جديدا أعمق من فهمه الأول.