سلوكيات

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(11)

دة/أسماء المصمودي

باحثة بمركز دراس بن إسماعيل:


3ـ منهج ابن عباد في شرح الحكم.

راعى ابن عباد الرندي ترتيب الحِكم كما وردت عند ابن عطاء الله السكندري في الشرح، وجاء بالحكمة تلو الأخرى وفق المنهج الآتي الذكر:

- الانطلاق من النص القرآني:

لا يكاد يخلو كل شرح لحكمة من الحكم من الاستشهاد بالنص القرآني وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الصوفية كانوا دائمي الارتباط بالكتاب والسنة في ممارساتهم الصوفية، فأصل معاني الحكم من النص القرآني.

 - الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف.

- يعتمد في شرحه للحكمة على الاستشهاد بالأحاديث النبوية الشريفة المذكورة في الصحاح وغيرها، من ذلك قوله وهو يشرح الحكمة العطائية: "صاحب حقيقة غاب بشهود الملك الحق، وفنى عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب، فهو عبد مواجَه بالحقيقة، ظاهر عليه سناها، سالك الطريقة، قد استولى على مداها، غير أنه غريق الأنوار مطموس الآثار قد غلب سكره على صحوه، وجمعه على فرقه، وفناؤه على بقائه، وغيبته على حضوره.[1]، استشهد بحادثة الإفك في الشرح بقوله: "وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لعائشة رضي الله عنها لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، اشكري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: والله لا أشكر إلا الله. دلها أبو بكر رضي الله تعالى عنه على المقام الأكمل مقام البقاء المقتضي لإثبات الآثار وقد قال الله تعالى: " أن اشكر لي ولوالديك" [ لقمان: 14] وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"، وكانت هي في ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها غائبة من الآثار فلم تشهد إلا الواحد القهار"[2]..".

وقوله: "في ذلك الوقت مصطلمة"؛ أي منقطعة عن شاهدها، وهو حكم بشريتها، متوفاة عن إحساسها بالكلية، والاصطلام نعت الحيرة، ومحل القهر وصفة الدهشة. وفي قوله: "وكانت هي في ذلك الوقت" إشعار بأن ذلك لم يكن حالا لازما لها في جميع أوقاتها، بل كان في ذلك وقت مخصوص، وواقعة مخصوصة."[3] والشاهد أنه رحمه الله قد زاد في شرح الحكمة من حيث الغيبة عن شهود الخلق بشهود الحق بقول عائشة رضي الله عنها حينما توجهت بالشكر مباشرة لرب العباد حين نزلت الآية التي برأتها مما اتهمت به.

ومن ذلك استشهاداته الكثيرة والمتنوعة من الكتب الصحاح وغيرها مما يعزز معاني شرحه على مدى صفحات لحكمة: "من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره"[4]؛ لينبه في آخرها على أنه ساق من الأحاديث والروايات لتأييد كلام المؤلف فقال: "وإنما ذكرنا هذه المعاني هاهنا؛ لأنها لائقة بكلام المؤلف، رحمه الله، وكأنها مفسرة له، وأيضا فإن العبد محتاج إليها غاية الاحتياج، لأنه في حال نزول البلايا يتسخط، ويجزع ويضطرب إيمانه، ... فيحتاج إلى مذكر يذكره بأمثال هذه المعاني، ليحصل له بذلك من الرضا وحسن الظن بالله تعالى والمحبة له ما يرجى له بذلك إن مات من فوره حسن الخاتمة وحب لقاء الله تعالى والأعمال بخواتمها"[5].

وعموما فقد انبنى منهج ابن عباد في شرحه للحكم على تفسير المراد من القول؛ إذ غالبا ما يَسْنُد شرحه بالاستشهاد بالآيات و الأحاديث، وغالبا ما تتلخص مقصديته في البعد التذكيري وكذا التربوي، حتى يكون شرحه معزِّزا لمقاصد الحكم.

 

 

الهوامش: 

 


[1] ـ غيث المواهب، ص. 332

[2] ـ غيث المواهب، ص.333

[3]  ـ غيث المواهب، ص.333 وكذا في الصفحة 331

[4] ـ غيث المواهب، ص. 140

[5] ـ غيث المواهب، ص.149



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(14)

المدخل والمخرج، الإدخال والإخراج، وقد عبر بهاتيين العبارتين عن السفرين المذكورين فالمدخل: هو سفر الترقي لأنه دخول على الله عز وجل في حالة فنائه عن رؤية غيره. والمخرج هو سفر التدلي؛ لأنه خروج إلى الخليقة لفائدتي الإرشاد والهداية في حالة بقائه بربه.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(13)

غالبا ما ينطلق ابن عباد في شرحه من توضيح وتحديد مصطلحيٍّ للكلمة، بمعنى أنه لا يعود إلى الأصل اللغوي وإنما يفسر ويشرح شرحا وتوضيحا صوفيا.

تقريب الحكم العطائية من خلال غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية(12)

خلو القلب من التعلقات دليل على وصاله برب العباد.