بحث و حوار

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(6)

د. عبد الرحيم السوني

باحث بمركز دراس بن إسماعيل.


3: المعاجم الصوفية ومقصد التقريب

لقد كان المقصد من إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو شرح الألفاظ الجارية على ألسنة القوم، والذين حاولوا من خلالها التنبيه إلى أن الألفاظ عندهم تحمل معاني خاصة، وأنها ذات طبيعة رامزة يصعب على غير الصوفي استيعاب دلالتها أو فك شفرتها، فجاءت معاجمهم موضحة ومفسرة لما اختص به القوم من حقائق طريقهم ودقائقها. ولا تكاد كتب المعاجم هاته تخرجُ في سبب تأليفها عن هذا المقصد التقريبي للتجربة الصوفية، فأصحابها وضعوها لتكون عونا لمن أراد فهم كلام القوم، وهو ما صرح به الشيخ ابن عجيبة في مقدمة كتابه "معراج التشوف إلى حقائق التصوف" حيث قال عن سبب تأليفه لهذا الكتاب: «وقد اشتمل [أي علم التصوف] على حقائق غريبة، وعبارات دقيقة، اصطلح القوم على استعمالها، فينبغي الوقوف على معانيها، لمن أراد الخوض فيه، والوقوف على معانيه، وقد أردت بحول الله وقوته، أن أجمع نبذة صالحة من حقائق هذا الفن واصطلاحاته، لعل الله ينفع به من يريد الوقوف على هذا العلم»([1])؛ أي صالحة لأن تخدم غرض تقريب التجربة الصوفية وتبسيطها لمن أراد التعرف عليها.

ليس هذا فحسب، فهي مؤلفة أيضا لإنارة الطريق للمريدين والسالكين الذين ما يزالون في بداياتهم، وهذا مستوى آخر من مستويات التقريب الذي يميز هذه المعاجم، غير أن هؤلاء وكما يشير إلى ذلك الإمام الشعراني لا يستعصي عليهم فهم دلالات اصطلاحات القوم، فالمريد الصادق إذا دخل مجلسا من مجالس الصوفية، وليس عنده فكرة عما يتكلمون فيه من موضوعات، وما يتحدثون به من ألفاظ وإشارات، فإنه يفهم جميع ما يتكلمون به، وكأنه واضع تلك الاصطلاحات والإشارات، ويمكنه أن يشاركهم في الخوض في علومهم، أما المريد الكاذب فيبقى قاصرا عن فهم كلام الصوفية إلا بتوفيق وإخلاص في الإرادة([2]).

الهوامش: 

 


[1] - معراج التشـوف إلى حقائق التصوف، أحمد بن عجيبة (ت1224هـ)، تح عبد المجيد خيالي، مركز التراث الثقافي المغربي ـ الدار البيضاء، ط 1؛ 2004، ص: 25.

[2] - ينظر: اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، عبد الوهاب الشعراني، دار المعرفة ـ بيروت (د.ت)، 1/3.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(7)

جميع علوم الباطن إنما تُحصَّل بالذوق والوجدان والشهود والعيان، لا بالدليل والبرهان، وهي ذوقيات لا نظريات، فإنها ليست بطريق التأمل السابق، ولا بسبيل التعجل اللاحق بترتيب المبادئ والمقدمات.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(5)

يكاد يكون كتاب "اللطائف" مستوعبا لكل الكتب التي سبقته في هذا الشأن؛ لكونه تضمن على وجه التفصيل ما يزيد على ألف وستمائة مصطلح صوفي.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(4)

السراج الطوسي أول من تكلم في مصطلحات التصوف، وأول من أخذ بزمام المبادرة في وضع عمل مرجعي للتعرف عليها.