شذرات القرويين

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(5)

دة.أمينـة مـزيغـة. 

باحثة بمركز درّاس بن إسماعيل

 

العلامة أحمد سكيرج وشرحه إرشاد المتعلم والناسي في صفة أشكال القلم الفاسي

1-سيدي أحمد سكيرج نموذج العالم الموسوعي الذي دقق فحقق

فهو الفقيه العالم العلامة الهمام، المحقق المشارك الأفضل، العارف بالله الأحفل، المقدم البركة المبجل، القاضي سيدي أحمد العياشي بن الحاج عبد الرحمان سكيرج، أبو العباس الأنصاري الخزرجي الأندلسي، الفاسي مولدا ودارا، المالكي مذهبا، التيجاني مشربا، السطاتي قضاء ومسكنا، المراكشي مدفنا، من أولاد سكيرج المعروفين، أصلهم من الأندلس العريقة، كانت ولادته عام تسعين ومائتين وألف في منتصف شهر ربيع الثاني، الموافق لأبريل ثمان وسبعين وثمانمائة وألف ميلادية، يقول سيدي أحمد سكيرج في كتابه الشيق "حديقة أنسي في التعريف بنفسي" : "تزوج والدي الأبر سيدي الحاج العياشي بن الحاج عبد الرحمن سكيرج الخزرجي الأنصاري بوالدتي السيدة فروح بنت السيد الحاج عبد الوهاب بن محمد التازي بتاريخ ثمان وعشرين رجب عام أربع وتسعين ومائتين وألف  هجرية، بعد انقضاء عدتها من وفاة زوجها، عمنا المرحوم السيد الحاج محمد بن الحاج عبد الرحمن سكيرج، حسبما عثرت على ذلك برسم تزوجهم، وكانت ولادتي في شهر ربيع الثاني من العام المتصل بعام مقارنتهما، فكنتُ أول أولاده منه"[1].

نشأ في أسرة فاضلة ذات مآثر جليلة، ومزايا جمة إذ أنجبت هذه الأسرة نخبة من الأدباء والعلماء والمؤرخين الكبار، وقد رفع نسبه رحمه الله للصحابي الجليل سيدنا حسان بن ثابت في كثير من المناسبات.

فتح الله عليه طريق التعلم والارتقاء في طلب العلم سواء العلوم الشرعية أو العلوم التطبيقية رغم ما وجده من صعوبة في صغره، في التلقي واستيعاب الدروس، يقول: "وقد حرصت والدتي على والدي بإدخالي للقرويين للقراءة بها... فأدخلني إليها جبرا لخاطرها، وأنا لا أفقه إلا مجرد تهجي الخط، وحفظ طرف من متن المرشد المعين لابن عاشر... وأول مجلس حضرت فيه مجلس شيخنا العلامة الشريف المولى عبد السلام بن عمر العلوي في افتتاح ألفية ابن مالك، فجلست أول يوم بالصف الأول من مجلس درسه، فكان يلقي على الطلبة بعض الامتحانات في التعليم فيجيبونه وأنا لا أجيب عن شيء منها، فاعتراني خجل كبير، فانتقلت بنفسي للصف الثاني، فصار يخصني بالتفاتات ويلقي علي بعض الأسئلة فلا أدري ما يقول، وصرت مهتما بأمري، وانتقلت لآخر الصفوف، وأجعل الطلبة حجابا بيني وبينه حتى لا يلقي علي ما يلقي عليهم، وقد اعتراني بذلك هم كبير، فصرت أبكي حين أرى الطلبة يفهمون وأنا لا أفقه شيئا مما أقرأه ويزيدني سيدي الوالد اغتماما باختباره لأحوالي، ويرى من الأخ ذكاءا زائدا وحرارة كبيرة في الإقبال على التعلم، وأنا في برودة فكر، وبلادة فهم، فاتفق مع والدتي أن أتأخر عن القراءة في القرويين، وأزيد قراءة في المكتب نحو العامين، فكان في ذلك لي نوع راحة... كان يعد سيدي الوالد أن ذلك مني من قبيل البطالة، وإضاعة العمر في ما لا طائل، فألزمني ملازمة المكتب، خصوصا حين شاهد نجابة الأخ حفظه الله بتقدمه وتأخري في حفظ ما قرأته، وكان غالبا ما يتخاصم مع سيدتي الوالدة في أمري. حتى أفضى الحال بإلزام الأخ المذكور بالجلوس معي بالمكتب ...، وحببت إلينا البطالة حتى آلى على نفسه أننا إذا لم نلازم القراءة فإنه يذهب بنا للخدمات الشاقة، وكذلك كان، فإنه أدخلني لحرفة الطرازة، وتكلم سرا مع المعلم ليمكر بي لكي أذوق وبال مشقة التعليم، وقصده بذلك تأديبي لأقبل على القراءة بقلب وقالب، وأدخل الأخ لدار الدباغة التي هي بحومة عين زليتين، ثم نقلني إليها مشددا علينا حتى ضاقت علينا الأرض بما رحبت..."[2]. هكذا كان حاله في أول عهده بالتعلم، إلا أن الله عز وجل فتح الله عليه ويسر له معاودة طلب العلم، فاقتحم لجة العلوم التي كان قد آثر عليها من قبل علوم السيمياء، وذلك بعد ملازمته للشيخ سيدي الحبيب بن سيدي الحاج الداودي التلمساني قال: "وقد اهتم بأمري شيخنا سيدي الحبيب المذكور، فصار يناولني من فواكه الآداب ما هو مستطاب شيئا فشيئا، ويلزمني بحفظه، بعد أن يفهمني معنى ذلك، ويقول لي لم يبق إلا الحفظ بعد الفهم، لأن الفهم نصف الحفظ، ويلزمني بتكرار ما حفظته، ويتفقدني المرة بعد المرة في الاستشهاد بما حفظته من الأدلة، خصوصا في أمثلة النحو والفرائض التي حصلتها بقراءتي لها عليه، فإن أصبت أقبل علي، وإن أخطأت لم يلتفت إلي، حتى أسترضيه عني بما في طوقي من تقبيل يديه، ويرى ذلك مني عن قريحة، وهكذا حاله معي حتى رأی النحو الذي كنت أستصعب تحصيله من أسهل الفنون..."[3]. فأقبل على مختلف العلوم والفنون فأتقنها حتى شُهد له بحذاقة وفطنة وبراعة قلّ نظيرها، وارتقى في معارج طلب العلوم وفاز بأعلى المراتب، وكان من ثمرة ذلك أن ألف مؤلفات جمّة جليلة في الفقه والتصوف والتراجم وغيرها. 

وكانت وفاته في شهر شعبان من سنة (1363هـ) بمراكش، ودفن بجوار القاضي عياض في ضريحه[4].

 

 الهوامش:

 


[1]  - حديقة أنسي في التعريف بنفسي، ص: 2.

[2]  - حديقة أنسي، ص: 9 .

[3]  - حديقة أنسي، ص: 9 .

[4] - إتحاف المطالع، وسل النصال" كلاهما في موسوعة أعلام المغرب9/3177) والاعلام 1/190، ومعجم المؤلفين 1/211).



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(7)

كتاب "إرشاد المتعلم والناسي في صفة أشكال القلم الفاسي"، هو شرح مختصر على منظومة الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي رحمه الله في صفة أشكال القلم الفاسي.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(6)

كان إماما متبحرا في العلوم النقلية والعقلية، وكان يقال: هو لفاس كالحسن البصري للبصرة.

نبوغ علماء القرويين في علوم الحساب سيدي أحمد سكيرج نموذجا(4)

إذا كان القلم الفاسي لم يكن يستخدمه – يوم كان يُستخدم- إلا القضاة والعدول، فمع مرور الوقت وقلة مستخدميه لم يعد يعرفه أحد إلا الواحد بعد الواحد من أهل العلم.