بحث و حوار

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(7)

د. عبد الرحيم السوني

باحث بمركز دراس بن إسماعيل


إن الغاية الأساس من إنجاز كتب المعاجم الصوفية، تتجلى في تبسيط التجربة وتقريبها لمن أراد التعرف عليها، فهي تمهد للسالكين الطريق إلى فهم ما دق من المعاني التي يعيشونها، وهم أولى بها من غيرهم ممن لا ترتفع هممهم لطلبها والإفادة منها، فالغاية من إنجازها هي توضيح الحقائق لمن يطلبها سواء أكان يُنسب إلى مسلك القوم أم لا.

بالإضافة إلى هذا، ثمة مقصد آخر من وراء تأليف هذه الكتب يكمن في كون بعض الصوفية يرون أن الكثيرين ممن يتعرضون للتصوف بالطعن إنما يفعلون ذلك لجهلهم بحقائق هذا العلم، لهذا فهم يريدون أن يرفعوا اللبس عنهم حتى تتبين لهم حقيقة ما جهلوه من أمر هذا العلم الشريف. فعبر التاريخ الإسلامي تعرض أهل التصوف لكثير من المضايقات بسبب طبيعة لغتهم التي يصعب فك رموزها دون ربطها بمجالها التداولي، لذلك تجد «من لا علم له بذلك أبدا في إنكار وتشنيع، لجهله بالمصطلح وغباوة الجبلة، وتشبعه بما علم، ووقوفه عند العادة الحاكمة على طبعه وعقله المعقول بعقال الخيال المسجون في سجن الوهم الذي لم ينج من قيد سجنه إلا الأفراد الآحاد، وقليل ما هم»([1]). هكذا علق الشيخ ماء العينين على من ينكر أمر التصوف، وحصر سبب ذلك في عدم معرفته بالمصطلحات؛ ولذلك فقد أراد تقريب أصول علم التصوف ببيان حقيقة معانيه من خلال مؤلفه الذي سماه "الإيضاح لبعض الاصطلاح"، فلا تبقى للمنكرين حجة للطعن فيه، وقد لخّص الشيخ ماء العينين سبب تأليفه لهذا الكتاب في أمرين:

الأول توضيح الطريق للمريدين المبتدئين، إذ «معرفة اصطلاح العلم المراد فهمه لطالبه هي التي تفتح ما استغلق فهمه»([2]) من هذا العلم.

والثاني أنه وضعه «ليعرف به السالك أقرب المسالك»([3]) للوصول إلى الله تعالى؛ ففهمُ معاني القوم يختصر الطريق على المريد في الوصول إلى الكثير من دقائق هذا الفن وحقائقه، وإن كانت معرفته لا تتحصّل عن طريق التلقين المعهود في سائر العلوم، وإنما تُحصَّل بطريق الكشف والإلهام، ف«جميع علوم الباطن إنما تُحصَّل بالذوق والوجدان والشهود والعيان، لا بالدليل والبرهان، وهي ذوقيات لا نظريات، فإنها ليست بطريق التأمل السابق، ولا بسبيل التعجل اللاحق بترتيب المبادئ والمقدمات، وعلى اعتبار حصولها بطريق الانتقال بالواسطة لا بطريق الذوق بغير واسطة»([4]).

الهوامش: 

 


[1]- الإيضاح لبعض الاصطلاح، الشيخ ماء العينين (ت1328هـ)، تح الدكتور محمد الظريف، منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتبادل الثقافي، ط 1؛ 2000، ص: 35ـ36.

[2] ــ م. ن، ص: 35.

[3] ــ م. ن، ص: 36.

[4] ــ م. ن، ص: 24.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(8)

الصوفية وهم يُقْدِمون على تأليف معاجمهم إنما كان قصدهم في ذلك مد جسر التواصل بينهم أولا وبين غيرهم ثانيا، ممن ينكر أحوالهم؛ لجهله بحقيقتها، عن طريق تيسير تلك الحقائق وتبسيطها.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(6)

المقصد من إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو شرح الألفاظ الجارية على ألسنة القوم، والذين حاولوا من خلالها التنبيه إلى أن الألفاظ عندهم تحمل معاني خاصة، وأنها ذات طبيعة رامزة يصعب على غير الصوفي استيعاب دلالتها أو فك شفرتها، فجاءت معاجمهم موضحة ومفسرة لما اختص به القوم من حقائق طريقهم ودقائقها.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(5)

يكاد يكون كتاب "اللطائف" مستوعبا لكل الكتب التي سبقته في هذا الشأن؛ لكونه تضمن على وجه التفصيل ما يزيد على ألف وستمائة مصطلح صوفي.