أشعريات

في رحاب توحيد ابن عاشر قبسات من شرح العلامة الطيب ابن كيران على توحيد ابن عاشر [تقريب الصفات الواجبة لله تعالى]21

إعداد:

د/ عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

د/ مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل. 

قال الناظم رحمه الله:

يجب لله الوجــود والـقدم        كذا البقاء والغنى المطلق عـــــم

وخلفه لخلقه بلا مثـــــال        ووحدة الذات ووصف والفعـال

وقدرة إرادة علم حيـــــاة        سمع كلام بصر ذي واجبـــات

قال الشارح رحمه الله:

تنبيه: مرجع ما ذكر الناظم من الصفات إلى ثلاثة أقسام:

- أحدها: النفسية، وتسمى حالا نفسية، وهي الوجود، وتقدم أن معنى الصفة النفسية الحال التي لا يعقل تقرر الشيء في الخارج بدونها من غير أن تكون معللة بعلة سواء كانت قديمة كالوجود لمولانا وصفات ذاته، أو حادثة كالتحيز للجرم واللونية للسواد.

- وثانيها: السلبية، وهي التي سلبت معنى لا يليق به تعالى بأن يكون مفهومها عدميا، وهو عدم ذلك المعنى كالقدم فإنه [121] سالب للحدوث، وكذا البقاء، والغنى المطلق، والمخالفة للحوادث، والوحدانية.

- وثالثها: صفات المعاني، وصفة المعنى عندهم هي الصفة الموجودة في نفسها سواء كانت قديمة كعلمه تعالى وقدرته، أو حادثة محسوسة كانت كبياض الجرم وسواده، أو معقولة كعلم زيد وحياته، وقد عد الناظم صفات المعاني الواجبة له تعالى سبعا وهي القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، واختلف في ثامنة وهي إدراك المذوقات والمشمومات والملموسات واللذائد والآلام، فأثبتها قوم قياسا على السمع والبصر من غير اتصال ولا تكييف، وهؤلاء منهم من جعل الإدراك صفة واحدة، ومنهم من جعله صفات متعددة باعتبار هذه الأنواع، ونفاها قوم وقالوا يستحيل اتصافه بها لما تستلزمه من الاتصال الذي هو صفة الأجسام، واكتفى هؤلاء بصفة العلم الشامل لكل معلوم، فتدخل الطعوم والروائح والملموسات في عموم المعلومات، وهذا ضعيف؛ لأن توقف إدراك الثلاثة على الاتصال إنما هو عادي لا عقلي، وأما الاكتفاء بصفة العلم عن الإدراك فإنما يحسن عند من يجعل السمع والبصر أيضا من قبيل العلم، وقد تقدم أن الأصح الذي عليه الأكثر خلافه، وبعضهم توقف في الإدراك هل هو صفة مستقلة واجبة له تعالى أو هو العلم، والوقف هو مختار المقترح وتلميذه الشرف التلمساني والشيخ السنوسي، وإلى الخلاف أشار المقري في إضاءة الدجنة يقوله:

          وأثبت الإدراك قوم واكتفى           بالعلم ما فيه وبعـض وقفـــا

وعلى القول به فيتعلق بكل موجود كالسمع والبصر، قال في الإضاءة:

          وحكم إدراك لدى من قال به           حكمها فلتـفرغن في قالــــبه

وبقي على الناظم من صفات الباري ثلاثة أقسام:

- أحدها المعنوية؛ وهي أحوال معللة في التعقل بصفات المعاني، ولذا نسبت إلى المعنى، فقيل فيها معنوية وكانت على عدد صفات المعاني، وهي كونه تعالى قادرا، ومريدا، وعالما، وحيا، وسميعا، وبصيرا، ومتكلما، ومدركا على القول به، فالكون المذكور صفة معنوية وهي من قبيل الأحوال، والحال عند من أثبتها كالباقلاني وإمام الحرمين صفة ثبوتية غير موجودة ولا معدومة تقوم بموجود كالكون المذكور، ويعبر عنه بالقادرية والعالمية مثلا، فهما غير القدرة والعلم وغير قيامهما بالمحل، بل القادرية والعالمية صفتان لازمتان لقيام القدرة والعلم بالمحل، واللازم غير الملزوم، ألا تراك تقول قام به العلم فكان عالما، فتعطف بالفاء الدالة على التسبب، ونظيره في الصفات الحادثة البياض والأبيضية، فهما متغايران، والأبيضية لازمة لقيام البياض بالمحل، تقول قام به البياض فكان أبيض. فإن قيل يلزم من كون المعنوية مسببة عن المعاني ومرتبة عليها ومعللة بها أن تكون حادثة، واتصاف الذات العلية بالحوادث محال، قلنا السببية والترتيب والتعليل بحسب التعقل كما أشرنا إليه لا توجب ترتبا في الخارج وتقدما وتأخرا حتى يلزم الحدوث. ونفى الأشعري الحال وقال لا واسطة بين الوجود والعدم، وكون الذات عالمة هو عين قيام العلم بها لا زائد عليها، وقيام الصفة بموصوفها وصف نفسي لها لا يوجب لمحلها صفة أخرى، وعلى كلا المذهبين لا تحقق للكون المذكور دون قيام صفات المعاني بالذات، فما زعمته المعتزلة من كونه تعالى قادرا لذاته لا لقيام القدرة به وكونه مريدا لذاته لا لقيام الإرادة به وكونه عالما لذاته لا لقيام العلم به وهكذا غيرُ معقول، بل نفيهم للمعاني ملزوم لنفي الكون المذكور أيضا المسمى بالمعنوية، ضرورة أن نفي الملزوم يوجب نفي اللازم المساوي المسمى بالمعنوية، ونفيها كفر. فإن قلنا لازم القول يعد قولا كفرناهم، وإلا فلا وعليه الأكثر، ولمالك والشافعي والقاضي فيهم قولان، وسئل مالك مرة أكفارٌ هم؟ فقال: من الكفر فروا، يعني أنهم إنما نفوا صفات المعاني حذرا من القول بتعدد القدماء الموجب للكفر، وجوابهم أن تعدد القدماء إنما هو محذور في ذوات لا في ذات وصفات. وإذا عرفت هذا فترك الناظم التعرض للمعنوية إما بناء على قول الأشعري بنفي الحال وأنها عبارة عن قيام المعاني بالذات لا أنها زائدة عليه حتى يكون لها تحقق في الخارج عن الذهن، وإما لأن مراده عد الصفات التي يجب على المكلف اعتقادها في حق البارئ تعالى، والمعنوية ليست مما يجب اعتقاد اتصاف البارئ به، كيف وقد اختلف  هل هي صفات أو لا. وأما تعليل تركه إياها بأنها لما كانت لازمة للمعاني اكتفى بالمعاني عنها فلا يحسن؛ لأن المقام مقام البسط والبيان، واللزوم يخفى كثيرا، وخطر الجهل في العقائد عظيم، فينبغي الاعتناء بمزيد الإيضاح على قدر الإمكان.

والقسم الثاني مما تركه الناظم صفات الافعال، وهي عبارة عن صدور الممكنات عن القدرة، وهي التعلق التنجيزي لها كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والإعزاز والإذلال والإيتاء والنزع: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك) الآية[سورة آل عمران، الآية: 26]، وليست أزلية خلافا للحنفية كأبي منصور وأتباعه في قولهم بقدم صفة التكوين، ولا ينافي حدوثها قول أئمتنا أنه تعالى لم يزل موجودا بجميع أسمائه، أي معانيها الشاملة للأفعال كالخالق والرازق، وتصريحهم بأنه تعالى كان خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق، كما أنه تعالى باعث قبل البعث؛ لأن معنى أزلية أسمائه الراجعة إلى صفات الأفعال من حيث رجوعها إلى القدرة لا الفعل، فالخالق مثلا من شأنه الخلق، أي هو بالصفة التي بها يصح الخلق وهي القدرة كما يقال في الماء في الكوز مُرْوٍ؛ أي بالصفة التي بها يحصل الإرواء عند مصادفة الباطن، وفي السيف في الغمد قاطع؛ أي هو بصفة يحصل بها القطع عند ملاقاة المحل، فإن أريد بالخالق من صدر منه الخلق فليس صدوره أزليا، ذكر ذلك الغزالي وبيّن رجوع الأسماء كلها إلى الذات وصفاتها في المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى.

والثالث: الصفات الجامعة كالألوهية والكبرياء والعظمة.

 

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 هـ على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص:72-73-74.

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (4)

في سياق اتجاهه الإصلاحي سلك الإمام أبو علي السكوني في كتابه "عيون المناظرات" مسلكاً تقريبياً قلّ سالكه في هذا العلم، فإيراد المناظرات التي اعتمد أصحابها منهجاً جدلياً تجاوزيّاً قصد إفحام الخصوم، ونصرة الاعتقاد الصحيح، له آثار عظيمة في تثبيت العقيدة الصحيحة في قلوب المسلمين، وفي دفع الشبهات الواردة على أذهانهم.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (2)

نشأ في أسرة علم وأدب رفيع، فوالده هو الشيخ المتكلم محمد بن خليل السكوني، ويظهر من خلال تآليف الابن أنه كان كثير الملازمة لوالده آخذاً عنه جلّ علومه، عاضّاً على منهجه بالنواجد.

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه: "لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام" (3)

عمل الإمام أبو علي السكوني على تتبع الأخطاء العقدية الشائعة في عهده، ومحاولة تصويبها وفق القواعد العقدية المقرَّرة بالمذهب الأشعري.