بحث و حوار

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(8)

د. عبد الرحيم السوني

باحث بمركز دراس بن إسماعيل:


إن القصد من وراء إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو تقريب التجربة لمن أراد التعرف عليها، وإزالة اللبس عن مفاهيمها وحقائقها، وتقديمها في شكل بسيط ميسر يستطيع معها غير الصوفي فهمها واستيعابها، وهو ما أكده القاشاني في مقدمة كتابه "لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام" حيث قال: «وبعد: فإني لما رأيت كثيرا من علماء الرسوم، ربما استعصى عليهم فهم ما تتضمنه كتبنا وكتب غيرنا من النكت والأسرار التي يشير إليها المحققون العالمون بالله من أكابر شيوخ الصوفية، الوارثين للعلوم الحقيقية والمعارف الحقيّة، من مشكاة النبوّة المحمدية ... أحببت أن أجمع هذا الكتاب مشتملا على شرح ما هو الأهم من مصطلحاتهم، وما تواطئوا عليه من الألفاظ، والألقاب التي يعبرون بها عما يتداولونه بينهم من علومهم الإلهية، وأسرارهم الشريفة الربانية، وما به يفهم بعضهم عن بعض، كما جرت عليه عادة أهل كل فن» [لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام، عبد الرزاق القاشاني، ضبطه عاصم إبراهيم الكيالي، منشورات دار الكتب العلمية – لبنان، ط1؛ 2004، ص: 6]. وبهذا، نفهم أن الصوفية وهم يُقْدِمون على تأليف معاجمهم إنما كان قصدهم في ذلك مد جسر التواصل بينهم أولا وبين غيرهم ثانيا، ممن ينكر أحوالهم؛ لجهله بحقيقتها، عن طريق تيسير تلك الحقائق وتبسيطها.

لكن، في مقابل هذه الغاية التقريبية التي تحكم هذه المعاجم الصوفية، ما نفتأ نواجَه، في مقابل ذلك، بكثير من الإشكالات التي يثيرها التراث الاصطلاحي الصوفي لدى المتلقين من جهة تحصيل الغاية التيسيرية المرادة منه، خاصة من قِبل من هم خارج حقل التصوف ممن لا يعرفون خصوصياته، فما يفتأ المتفحص منهم لهذه المعاجم أن يفاجئ بمجموعة من المعطيات التي قد تضعه في اضطراب وحيرة من أمره بخصوص ما يجده من كثرة التعاريف المُعدّة بخصوص نفس المصطلح، فلا يستطيع التمييز بينها، ويظن ذلك من باب الاختلاف في حقائق تلك المصطلحات، ولا يستطيع النظر إليها بنظر توفيقي، لذا، وجب التنبه إلى هذه القضية وفهم المفاهيم الصوفية وفق أصولها وسياقاتها.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(7)

جميع علوم الباطن إنما تُحصَّل بالذوق والوجدان والشهود والعيان، لا بالدليل والبرهان، وهي ذوقيات لا نظريات، فإنها ليست بطريق التأمل السابق، ولا بسبيل التعجل اللاحق بترتيب المبادئ والمقدمات.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(6)

المقصد من إنجاز كتب المعاجم الصوفية هو شرح الألفاظ الجارية على ألسنة القوم، والذين حاولوا من خلالها التنبيه إلى أن الألفاظ عندهم تحمل معاني خاصة، وأنها ذات طبيعة رامزة يصعب على غير الصوفي استيعاب دلالتها أو فك شفرتها، فجاءت معاجمهم موضحة ومفسرة لما اختص به القوم من حقائق طريقهم ودقائقها.

المصطلح الصوفي: أصول وتجليات(5)

يكاد يكون كتاب "اللطائف" مستوعبا لكل الكتب التي سبقته في هذا الشأن؛ لكونه تضمن على وجه التفصيل ما يزيد على ألف وستمائة مصطلح صوفي.